المعتصم شهرين ملمعين (١)، ذكر أن خراسان لم تخرج مثلهما، فسأله بغا (٢) أن يحمله على أحدهما، فأبى، وقال: تخيّر غيرهما ما شئت فخذه، قال: فخرجنا ولم يأخذ شيئًا، فلما صرنا بطبرستان عرض له قوم من أهلها فقالوا له: إنّ في بعض هذه الغياض سبعًا قد استكلب على الناس وأفناهم، فقال: إذا أردتُ الرحيل غدًا كونوا معي حتى أقف على موضعه، فأخذوه في عشرين فارسًا من غلمانه ومعه قوس ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى مكانه، وثار السبع في وجهه فحرك فرسه من بين يديه، وأخذ نشابة من النشابتين، فرماه في لبته فمرّ السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، قال: وعاد بغا إليه فما اجترأ أحَدٌ على النزول إليه حتى نزل بغا فوجده ميتًا، قال: فشبرناه، فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبرًا، ووجدناه أحص الشعر (٣) إلا معرفته (٤)، قال: فكتبنا بخبره إلى المعتصم، فلحقنا جواب كتابنا بحلوان (٥) يذكر فيه أنه قد تفائل بقتل السبع أن يكون من علامات الظفر ببابك، ووجه إلى بغا بالشهريين (٦) وسبعة أفراس من خواص مراكيبه بمراكب يقال من الذهب وسبعة خلع من خاصة خلعه، وخمسمائة ألف درهم صلة له وجزاء على قتله السبع.
قال (٧) زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيها فركب في الزلال (٨) في دجلة وأنا معه، فمرّ بإزاء منازله فقال: يا زنام أزمر لي: [من السريع]
يا منزلًا لم تَبْلَ أطلاله … حاشى لأطلالك أن تُبلى
لم أبكِ أطلالك لكنَّني … بكيْتُ عَيْشي فيك إِذْ وَلَّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى … لابُدَّ للمحزون أن يسلى
قال: فما زِلْتُ أزمر هذا الصوت وأكرره، وقد تناول المعتصم منديلًا بين يديه،
(١) كذا في الأصل، ولم أعرف معناهما، وواضح من سياق الكلام أنهما مما يُركب. (٢) بغا الكبير، أبو موسى، من كبار القواد وكان مملوك للحسن بن سهل توفي في حدود ٢٥٠ هـ، أخباره في تاريخ الطبري (انظر الفهرس) والوافي بالوفيات ١٠/ ١٧٢. (٣) الأحص الذي لا يطول شعره. (٤) المعرفة: موضع العرف من الطير والخيل والعُرف شعر عنق الفرس والأسد. (٥) حلوان: مدينة في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد (ياقوت - حلوان). (٦) سبق ذكرها ولم أتبين معناه. (٧) الخبر في تاريخ الطبري ٩/ ١١٨، وزنام أول من اشتهر باستعمال الناي، كان من مطربي الرشيد والمعتصم والواثق، مات سنة ٢٣٥ هـ: تاج العروس ٨/ ٣٣٠. (٨) الزلال: اسم مركب من مراكب المعتصم.