نحا منحى عمر بن عبد العزيز، وسلك مسلكه الحريز فما تكثر من الدنيا، ولا تكبر بالعليا، وأقبلت عليه الأيام، فما اغتر بخداعها ولا اعتز بمتاعها، ولا أصباه بديع رونقها، ولا سباه صنيع تأنقها، وأخرج ما اكتنز الخلفاء من آنية الذهب والفضة، وضربها نقودًا، وفرقها حقوقًا لا جودًا، وأمر بالعدل ورجع إليه قضاياه، وطبع عليه سجاياه، فلم يوافق صلاحه زمانه الفاسد، ولا نفق إصلاحه سوقه الكاسد، ولم يكن من أرباب الدولة إلا منهمكًا في فساد ومُنسلِك في سلك لا يطمئن به الوساد، فكرهوا أيامه، وودوا لو انقضت، وأنها لا تكون قد أقْبَلَتْ حتى مضت، فعابوه بما فعل مما يمدح وقالوا إنه لا يستصلح.
وقد حكي عن بعض العلماء قال: حضرت المهتدي يومًا من رمضان بعد العصر، وطال مجلسي عنده، فلما أردت القيام، قال: قد حانت المغرب وآن فطور الصيام، فهل لك أن تفطر عندي الليلة، فما وسعني إلا أن أجبت قوله، فلما أذن المؤذن، أجابه، ثم دعا بكوز ماء فشرب منه وسقاني، ثم قمنا إلى الصلاة، فأديناها وأعقبناها بركعتي السنة، فأديناها، ثم قال: يا جارية: العشاء، فجاءت بسكرجتين (١) في إحدهما جريش ملح، وفي الأخرى زيت وخلّ، ومعهما رغيفان، فتقدم وقال: كُل، ثم قال: بسم الله، ثم أكل وأكلت وأنا أظنّه شيئًا قدَّمَهُ قبل طعامه، فرفعتُ يدي، فقال لي: أَلَسْتَ كنت صائمًا؟ فقلت: بلى، قال: فما هذا الأكل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أو هذا هو طعامك؟ فقال: نعم، فإن الحلال المحض لا يحتمل أكثر من هذا، فدعوتُ له، وأكلت، ثم انصرفت وقد استحوذ على قلبي استحواذًا، ثم أذنت العشاء الآخرة، فقمنا إلى الصلاة، فصلينا المكتوبة وما معها، ثم قمنا بالتروايح فكملنا أجمعها، ثم أخَذْتُ مضجعي، ثم بقيت أنتبه الفينة بعد الفينة، فأجده قائمًا في مكانه يصلّي فوالله ما زال هكذا حتى أصبح.
قال عبد الله بن إبراهيم الأسكافي: جلس (٢) المهتدي للمظالم فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه يحكم بينهما، فقال الرجل للمهتدي: والله ما أنت إلا كما قال القائل: [من السريع]
= أصحابه، وبقي في شرذمة قليلة، فقتل سنة ٢٥٦ هـ. انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٣٩١ وكامل ابن الأثير ٥/ ٣٤٣ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٤١ والفخري ص ١٨٢ ومروج الذهب ١/ ٤٦١ وتاريخ الخلفاء ٣٦١. (١) السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم. (٢) في الأصل: حبس، والتصويب عن كامل ابن الأثير ٥/ ٣٥٨. (٣) في الكامل: قاضيًا.