هنيئًا بني العباس إن إمامكم … إمام الهدى والجود في ذاك يُشْهَدُ
كما بأبي العباس أسس ملكهم … كذا بأبي العباس أيضًا يجدد
ولقد اتفق في أيامه أمر فظيع (٢) كشفه الله له فعظم في نفوس اتباعه، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتمه ما في نفسه مخافة صولته، وكان أحد كبراء دولته قد بنى بناء عاليًا مشرفًا على منازل جيرانه، فلم يقدر أحد يعارضه، فأشرف منه فرأى جارية بارعة الجمال، فسأل عنها فقيل ابنة تاجر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجها (إلا) من تاجر مثله، فلم يزل يغريه (٣)، ويأبى، فزوّر كتاب تزويج بشهادة عشرة من المعدلين، ثم أخذها بظاهر الشرع، فتحيّل أبوها حتى دخل في زي فعلة البناء في قصر كان المعتضد قد شرع فيه وأتاه يومًا يشرف عليه، فوقف له، وذكر له حاله، فأرسل في طلب الزوج والشهود وسألهم: كيف كان الحال؟ فما استطاع أحَدٌ منهم أن ينكره، فوضع ذلك الزوج في جلد ثور طري، وضُرب المرازب (٤) حتى اختلط لحمه ودمه ثم أمر به فأفرغ بين يدي نمور عنده، ثم بالشهود فصلبوا، وأمر لذلك الرجل بالبيت وبجميع ما تركه زوجها من صامت ناطق وكان بما لا يُحْصَر.
وحكى ابن ظفر أن قطر الندى (٥) بنت خمارويه بن أحمد بن طولون لما زُفت إلى المعتضد أغرم بها، فوضع رأسه في حجرها يومًا فنام فأزالته عن فخذها بلطف، ووسَّدَتْهُ وخرجت من البيت، فاستيقظ المعتضد، فذعر وناداها، فأجابته من قُرْبِ، فقال لها: أسْلَمْتُ إليك نفسي، فذهبت عني؟ فقالت: لم أذهب عن أمير المؤمنين ولم أزل كالئةً له، قال: فما أخْرَجَكِ؟ قالت: إن مما أدّبني به أبي الا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس، فاستحسن ذلك منها.
وحكى صافي الحرمي: أنه لما مات المعتضد كفنه في ثوبين قوهي (٦) قيمتها ستة
(١) البيتان في ديوان ابن الرومي (بيروت ١٩٩٤) ١/ ٤٢١. ورواية البيت الأول فيه: إمام الهدى والجود والبأس أحمد. (٢) في الأصل: فضيع. (٣) في الأصل: يرويه غير معجمة. (٤) كذا في الأصل، والصواب: الارازب، جمع الأرزبة، وهي المطرقة الكبيرة تكسر بها الحجارة. (٥) قطر الندى: أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، من شهيرات النساء عقلًا وجمالًا وأدبًا. تزوجها المعتضد سنة ٢٨١ هـ وجهزها بجهاز لم يعمل مثله ماتت ببغداد سنة ٢٨٧ هـ. انظر وفيات الأعيان (ترجمة أبيها) ومروج الذهب ٢/ ٤٩٦. (٦) القوهي: ضرب من الثياب بيض.