للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقنع إلّا بما كان عليه أوّله، ويقرع باب عزائمه والأقدار لا تنوّله، فكان لا يزال يشم من نفسه دخان أواره، ويظهر على وجهه شعاع ما لم يواره، ويكتم حاله والله مبديه، ويخاف الناس والله أحق أن يخافه ولا يخفيه، وكان ربما ألم نهبة من الطرب، ونغبة لا ترويه من ماء العنب، فكان ربما بسطه المدام فتحدث، ونشطه من عقال المداراة فعجل لم يتلبث، وكانت عليه عيون موكلة بما ترى، ومسامع لا تكذب خبرا، فأغرى به قلب من كان في يديه موقرًا كالمرتهن، ولديه موفرًا كالممتهن، وأعان عليه حاشية سوء كانوا حوله، وأعوان سيئة لا تطيق قوته ولا حوكه، وكان منهم ابن رئيس الرؤساء (١)، وكان عدوا لأرسلان البساسيري (٢)، وهما الخلافة قالا قفي أو سيري، فظفر ابن رئيس الرؤسا بأرسلان البساسيري وملك فلم يسجح، وأفْسَدَ ولم يصلح، وكان الأولى بمثله، وهو ربّ القلم وذاك ربّ السيف، أن يعفو إذا قَدَر، ويصفوا إذا كَدَر، إلى ما هو به جدير ولا عاقب إلا معاقبة ضعيف لا قدير، فنكل به اشد التنكيل، ومثل به أقبح التمثيل. وبسط عليه العذاب الأليم، وسلط العقاب على الحريم، وفعل في ذلك فعل من طنخ (٣) ونوّخ بعيرًا فلم ينخ، فما قَنَعَتْ تلك الشوكة إلا بخلع الخليفة والقبض عليه وإرجافه بالخيفة، وتعويقه من سما عليه في دارٍ بالحديثة (٤) وسَعَتْ في إغضاء خَوَلِهِ تلك الشوكة الخبيثة، وخُطب ببغداد والعراق للمستنصر أبي تميم معد (٥) بن الظاهر العبيدي، خليفة مصر، وحمل على أعناق المنابر ثقل ذلك الإضر (٦)، إلى أن انقضت سنة (٧)، وما غمضت مقلا سنة، ثم


(١) كذا في الأصل، والصواب رئيس الرؤساء، وليس ابنه، وهو علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة، كان أحد المعدلين ببغداد وله معرفة بالفقه، ثم ولي الوزارة للقائم، وقع بينه وبين البساسيري خلاف، فهرب البساسيري إلى بغداد واستولى عليها وقبض على الخليفة، وظفر بابن المسلمة فقتله ومثل به سنة ٤٥٠ هـ. انظر: الفخري ص ٢١٦ وكامل ابن الأثير ٨/ ٨٢ وما بعدها.
(٢) البساسيري أبو الحارث التركي، كان من مماليك بني بويه خدم القائم العباسي فتقدم، وتقلد الأمور بأسرها، ثم خرج من بغداد وعاد إليها بجيش فاستولى عليها وأقام الخطبة للفاطميين، وقبض على الخليفة، فقدم طغرلبك العراق، فاستولى على بغداد وقتل البساسيري واعاد الخليفة سنة ٤٥٠ هـ. انظر كامل ابن الأثير ٨/ ٨٥.
(٣) طنخ خبثت نفسه.
(٤) حديثة، أو حديثة عانة كما في كامل ابن الأثير، من كور الموصل، شرقي دجلة. انظر: الروض المعطار ص ١٩٠.
(٥) معد بن علي بن الحاكم بأمر الله المستنصر الفاطمي بمصر، بويع له وهو طفل بعد وفاة أبيه وقام بأمره وزير أبيه علي بن أحمد الجرجرائي، توفي سنة ٤٨٧ هـ. انظر: النجوم الزاهرة ٤/ ٦٢ والمغرب (قسم مصر) ص ٧٧.
(٦) الاصر: الثقل.
(٧) السنة: النعاس.

<<  <  ج: ص:  >  >>