فأوقد نارًا وأحرقه وجميع النساء اللواتي عنده. فمن كانت من نسائه تركها ومن كانت من المغصوبات سرّحها إلى أهلها، وكان عرناق قد اغتصب كل امرأة سمع بحسنها، فلما هلك فرح الناس بعود نسائهم (١) وبما نزل به.
ثم ملك بعده نوخيم (٢)، ولما ملك جمع الناس وقام على كرسيه فتكلم وذكر ما كان عليه غرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء، وسفك الدماء.
ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة إلى أن هلك وأنه أحق بميراث أخيه (٣) وجده، وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع الأذى عنهم فرضي به الناس، وأطاعوه.
ثم كان من ملوكهم خصليم (٤)، وهو أوّل من عمل مقياسًا لزيادة الماء، وقننه على البلاد ثم هلك، وملك بعده ابنه هر صال (٥)، ويقال إنه عمل تحت النيل سربًا يجاز منه، من أحد جانبيه إلى الآخر، وخرج متنكرًا يشق الأمم إلى أن بلغ بابل ورأى أحوال ملوكها، ويقال: أن نوحًا ﵇ ولد في زمانه، ويقال: إنه غاب غيبة طويلة انقطع منها خبره وأولاده كل واحد منهم فيما كان جعله فيه، والأمور جارية على السداد فداموا على هذا سبع سنين، ثم وقع بينهم تشاجر، فاجتمع رأي الكهنة أن يملكوا واحدًا منهم، وبقي إخوته في مكانهم لا يلزمهم إلا الطاعة فأقاموا ولده ندسان (٦) فسار بسير أبيه وحمد الناس أمره، ثم عمل قصرًا من خشب، ونقشه بأحسن النقوش، وصوّر فيه الكواكب، ونجده بالفرش وحمله على الماء، وكان يتنزّه فيه، فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة، وهبّت ريح عاصفة، فانكسر القصر وغرق الملك.
ثم ملك بعده شمرود (٧)، ثم قاتله بنو أخيه ندسان، وقامت الحروب بينهم أيامًا، ثم انهزم شمرود وإخوته، وملك بعده تو ميدون (٨) بن ندسان، وكانت أمه ساحرة، وكانت هي التي تدبّر أمره، فقتلت كل من كان مع شمرود. وطلب شمرود حتى
(١) كذا في الأصل، والصواب نسائهم. (٢) نهاية الأرب: الوخيم. (٣) في نهاية الأرب: أبيه. (٤) نهاية الأرب ١١/ ١٥. (٥) نهاية الأرب ١١/ ١٥. (٦) كتب في الأصل بحروف مهملة، وأثبته عن نهاية الأرب ١٢/ ١٥، وفي صبح الأعشى ٣/ ١١: بدرسان، وفي خطط المقريزي ٣/ ١٩ وحسن المحاضرة: قدرسان. (٧) وفي خطط المقريزي ٣/ ١٦: (نمرود). قال: ويقال له: (ثمرود). (٨) كتب في الأصل بحروف مهملة، وأثبته عن نهاية الأرب ١٣/ ١٥ وفي خطط المقريزي ٣/ ١٦: (بوسيدون) وفي صبح الأعشى: ٣/ ٤١١ (فرسيدون).