فصول الكتاب

من النار".

فأبو حنيفة الذي يرى أن قضاء [١] القاضي بشهادة شهداء الزور في نكاح امرأة، أو انتقال ملك، يُحِلّ للمشهودِ له الراشي لهم [٢] على


[١] قضاء: ا ب ط ك - ت خ.
[٢] لهم: ا ب ت ك ط، - خ.
_________
= الزمن البعيد - أن الأحكام الشرعية تجري على الظاهر من أفعال البشر وأقوالهم، وأن مغيبات الأمور متروكة الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ومن هنا وجدوا في هذا الحديث، وفيما يشبهه شواهد عضدتهم وأيدتُ مداركهم؛ فقد قال الشافعي (الأم: ٦/ ١٩٩ "تولى الله السرائر وعاقب عليها، ولم يجعل لأحد من خلقه الحكم إلا على العلانية"، وقال أيضا معقبا على حديث أم سلمة هذا (الأم ٦/ ٢٠٢): "في هذا الحديث دلالة على أن الأيمة إنما كلفوا القضاء على الظاهر … وأن الحكم على الناس يجيء على نحو ما يسمع منهم مما لفظوا به … وأن النبي ﷺ قضى بما سمع، ووكلهم فيما غاب عنه إلى أنفسهم .. لأن الله استأثر بعلم الغيب"، وأورده النسائي في السنن ٢/ ٣٠٧ تحت عنوان "باب الحكم بالظاهر"، وحكى ابن عبد البر - فيما حكاه عنه ابن حجر في التلخيص الحبير (٣٠٥، وعنه السخاوي في المقاصد الحسنة ٤٤) - الإجماع على "أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن أمر السرائر إلى الله". وفي شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٢٥٩، وعنه السيوطي في تنوير الحوالك ٢/ ١٠٦): معنى الحديث التنبيه على حالة البشرية وإن البشر، لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا، إلا أن يطلعهم الله تعلى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه (النبي) في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر".
وقال أيضا في إيضاح معنى الحديث: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم" (النووي ٥/ ٢٢، فتح البارى ٨/ ٥٤، شرح الأبي على مسلم ٣/ ٥، ١ - ١٩٦): معناه أني أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، كما قال ﷺ: "فإذا قالوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (شرح النووي ١/ ٢٥٥، الآبي ١/ ١٠٨، فتح الباري ١/ ١٤٤، ١٢/ ٢٤٤)، وفي الحديث: "هلا شققت على قلبه" (سنن ابن ماجة ٢/ ٢٣٩، مسند الإمام أحمد ٥/ ٢٠٠، شرح الإحياء ١/ ١٥٥).
فخرج من هذا أن الصيغة التي أنكر النقاد صدورها عن النبي ﷺ، والتي أقاموا لصحة معناها الشواهد المتعددة من صحاح أحاديثه، قد عرفت قبل القاضي عياض وبعده - كلاما للناس ولم تعرف حديثا.
وقد عقب القاضي عياض - حسب نقل الأبي عنه (٣/ ١٩٦) - على الحديث: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس" الخ بقوله: أي إنما أمرت أن أحكم بالظاهر كما قال: "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فجاء ببعض تلك الصيغة من كلامه، ولم يوردها حديثا.