لِيُودِعَهَا في خِزَانَةِ دَولَتِهِ، وَلنتَذَكَّر أَنّ هَذِهِ الزِّيارَةَ لَابُدَّ أَن تَكُونَ قَد حَصَلَت في أَوائِلِ حُكمِ العَباسِيِّينَ، مَا دَامَ أَنّ العَبّاسِيّينَ قَد تَوَلَّوا الحُكمَ سَنةَ ١٣٢ هـ، إِذ أَنَّ المَنصُورَ كَانَ الخَليفةَ الثَّانِي الذِي تَولَّى الحُكمَ بَعدَ أَخيهِ أَبِي العَبَّاسِ السَّفَاحِ، إِثرَ وَفاةِ أَخيهِ سَنةَ ١٣٦ هـ (١). وَكُلُّ هَذَا يُظهِرُ أَنّ الدَّولَةَ كَانت في أَوائِلِ سِنِيِّ حُكمِهَا، مِمّا قَد يُبَرِّرُ الافترَاضَ بِأنَّ الأَموَالَ اللَّازِمةَ لِلبِنَاءِ قَد لَا تَكُونُ مُتوَافِرةً في خِزانَةِ الدَّولَةِ في تِلكَ الحِقبَةِ مِن أَعوَامِ حُكمِهَا الأُولَى.وَلَم يَكُن المَنصُورُ الخَليفَةَ العَباسِيَّ الوَحِيدَ الذِي زَارَ القُدسَ أَو اهتَمَّ بِشُؤُونِهَا وَبشَأنِ المَسجِدِ الأَقصَى عَلَى وَجهِ الخُصوصِ، فَالخَلِيفَةُ المَهدِيُّ بنُ المَنصُورِ زَارَ القُدسَ كَذلِكَ، وَهُناكَ رِوايَةٌ عن إِسرَارِهِ لِمُرَافِقهِ في هَذهِ الزِّيارِةِ بِأقوَالٍ لَهَا دِلَالَتُهَا، وَلَاسِيّمَا بِالنّسبَةِ إِلَى تَقدِيرِهِ لِبيتِ المَقدِسِ وَالمَسجِدِ الأَقصَى. وَخُلَاصةُ هَذهِ الرِّوايَةِ أَنهُ لَمّا قَدمَ المَهدِيُّ الشَّامَ يُرِيدُ بَيتَ المَقدِسِ دَخلَ مَسجِدَ دِمَشقَ وَمَعهُ أَبُو عَبدِ اللهِ الأَشعَرِيُّ، فَقَالَ: «يَا أَبا عَبدِ اللهِ! سَبقَنَا بَنُو أُمَيَّةَ بِثَلَاثٍ»، قَالَ: «وَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنينَ؟»، قَالَ: «هَذَا البَيتَ ـ يَعنِي مَسجِدَ دِمَشقَ ـ وَلَا أَعلَمُ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ مِثلَهُ، وَبِنَيلِ المَوَالِي، فَإِنَّ لَهُم مَوَالِيَ لَيسَ لَنَا مِثلَهُم، وَبِعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ لَا يَكُونُ فِينَا وَاللهِ مِثلُهُ أَبَدًا»، ثُمَّ أَتَى بَيتَ المَقدِسِ، فَدَخلَ الصَّخرَةَ، فَقالَ: «يَا أَبَا عَبدِ اللهِ! وَهذِهِ رَابِعَةٌ» (٢).وَلَمَّا كَانَت الرَّجفَةُ الثَّانِيةُ في القُدسِ وَقعَ البِناءُ الذِي بَنَاهُ وَالِدُهُ ... أَبُو جَعفَرٍ، فَرُفِعَ ذَلكَ إِلَى المَهدِيِّ لَدَى زِيَارَتِهِ القُدسَ، فَأَمَرَ بِإِعَادَةِ بِنَائِهِ، فَتَمَّ البِناءُ في خِلَافَتهِ (٣)._________(١) انظر: «البداية والنهاية» ط. القاهرة ١٩٣٣، (١/ ٥٧).(٢) انظر: مخطوطة «مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام» (ورقة: ١٣٦).(٣) انظر: مخطوطة «فضائل بيت المقدس والخليل عليه الصلاة والسلام، وفضائل الشام» (ص: ٦٤).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.