زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ أَوْ لِإِفَادَةِ بَعْضِ آثَارِهِ، كَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ، فَهِيَ قِسْمَانِ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي بِأَنَّهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا، كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ إلَى عَيْنِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ، فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَغَسْلِ الْخَبَثِ، وَالْحُكْمِيَّةُ مَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ كَالْوُضُوءِ
، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ إمَامِنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْبَابِ آيَةٌ أَوْ حَدِيثٌ أَوْ أَثَرٌ ذَكَرَهُ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ الْبَابِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَحَذَفَ ذَلِكَ الْمُصَنَّفُ مِنْ الْمِنْهَاجِ اخْتِصَارًا، غَيْرَ أَنَّهُ افْتَتَحَهُ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ تَبَرُّكًا أَوْ اسْتِدْلَالًا وَقَدَّمَهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إذَا كَانَ عَامًّا فَرُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ فَلِهَذَا قَالَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] أَيْ مُطَهِّرًا، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُطْلَقِ، وَعُدِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: ١١] وَإِنْ قِيلَ بِأَصْرَحِيَّتِهَا لِيُفِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الطَّهُورَ غَيْرُ الطَّاهِرِ، إذْ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [المؤمنون: ١٨] دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَمْتَنُّ بِنَجَسٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الطَّهُورُ غَيْرَ الطَّاهِرِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْهُ (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا:
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الشَّارِعَ إنْ غَيَّرَ وَضْعَ اللُّغَةِ وَوَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَضْعَ اللُّغَةِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي تِلْكَ الْمَعَانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ لَوْ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ التَّشْبِيهَ تَكُونُ اسْتِعَارَاتٍ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى (قَوْلُهُ: زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ) وَهُوَ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَثَلًا (قَوْلُهُ وَهِيَ قِسْمَانِ) أَيْ الطَّهَارَةُ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّفْعَ وَالْإِزَالَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي تَعْرِيفِ النَّوَوِيِّ الْمَذْكُورِ هُمَا نَفْسُ نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ، لَكِنْ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ الرَّفْعِ، بَلْ الرَّفْعُ يَحْصُلُ بِهِ وَلَيْسَ نَفْسُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ أَوْ الْفِعْلُ الْمَوْضُوعُ (قَوْلُهُ: أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ) أَيْ حُكْمُ إلَخْ وَيُقَالُ عَيْنًا أَوْ أَثَرًا (قَوْلُهُ وَعَلَى صُورَتِهِمَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: كَالتَّيَمُّمِ) مِثَالٌ لِمَا فِي مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَمِثَالُ مَا فِي مَعْنَى النَّجَسِ الدَّبَّاغِ وَانْقِلَابُ الْخَمْرِ خَلًّا (قَوْلُهُ: وَالْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مِثَالٌ لِمَا هُوَ عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ) مِثَالٌ لِمَا عَلَى صُورَتِهِمَا (قَوْلُهُ: فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ) أَيْ تَتَعَدَّى
(قَوْلُهُ: وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَمْتَنُّ بِنَجَسٍ) يُتَأَمَّلُ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الِامْتِنَانِ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَهَذَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ يَقُولَ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ وَلَمْ تَثْبُتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ) أَيْ لَوْ جَعَلَ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ لَزِمَ التَّأْكِيدُ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ. بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ بِهِ الطَّهُورُ فَلَا يَكُونُ تَأْكِيدًا بَلْ تَأْسِيسًا، لِأَنَّهُ أَفَادَ مَعْنًى لَمْ يُفِدْهُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّأْسِيسِ (قَوْلُهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا) أَيْ مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَقَوْلُهُ مَعَ كَسْرِ النُّونِ إلَخْ: أَيْ مَعَ إسْكَانِهَا فَتَصِيرُ
[حاشية الرشيدي]
عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ.
وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ إلَخْ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ لِيَكُونَ ذَاكَ بَعْدَ التَّكَلُّمِ عَلَى جَمِيعِ أَلْفَاظِ التَّرْجَمَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْفِعْلُ الْمَوْضُوعُ) يَشْمَلُ نَحْوَ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ الْمَخْصُوصَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِفَادَةِ مَا ذُكِرَ لَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْعٌ وَإِنْ لَمْ تُفِدْهُ بِالْفِعْلِ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَنْعِ، فَهُوَ مُوفٍ بِمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.