ثُمَّ قُلْتُ له: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوِّ لَنَا، فَاَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا.
قَالَ عَمْرٌو: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِيَ الأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا (١) مِنْهُ.
ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا المَلِكُ، وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ.
فَقَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبرُ (٢) الذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟ !
فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا المَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتْبَعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ.
فَقَالَ عَمْرٌو: فَبَايِعْنِي له عَلَى الإِسْلَامِ.
قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِأُسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وذَلِكَ قُبَيْلَ الفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟
(١) الفَرَق: بالتحريك: الخوف والفزع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).(٢) النامُوس الأكبر: صاحب سِرِّ الخير، وأراد به جبريل عليه السلام. انظر النهاية (٥/ ١٠٤).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.