تَرْكَ الْقَعْدَةِ عَقِيبَ كُلِّ شَفْعٍ عِنْدَهُمَا غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلتَّطَوُّعِ، وَإِنْ كَانَ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدَرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ الظُّهْرُ وَالْخَامِسَةُ تَطَوُّعٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ إلَى النَّافِلَةِ كَانَ بَعْدَ إكْمَالِ الْفَرْضِ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْفَرْضُ، وَيَشْفَعُ الْخَامِسَةَ بِرَكْعَةٍ فَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِرَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا إذَا شَرَعَ فِي صَوْمٍ أَوْ فِي صَلَاةٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ هَهُنَا فِي الْخَامِسَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَشْفَعَهَا بِرَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يَكُونُ صَلَاةً تَامَّةً كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ مَا أَخَّرْتُ رَكْعَةً قَطُّ، وَإِذَا شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ السَّهْوِ كَانَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ أَدَّى بَعْدَهَا صَلَاةً أُخْرَى، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا بَنَى النَّفَلَ عَلَى التَّحْرِيمَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا السَّهْوُ فَيَأْتِي بِسُجُودِ السَّهْوِ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَسْبُوقِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَا تَنُوبَانِ عَنْ السُّنَّةِ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ كَانَ لَا عَنْ قَصْدٍ وَلِهَذَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالسُّنَّةُ مَا شَرَعَ فِيهِ عَنْ قَصْدِ الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ.
قَالَ: (رَجُلٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَهَذَا قَدْ صَلَّى رَكْعَةً)؛ لِأَنَّ رُكُوعَهُ الْأَوَّلَ تَوَقَّفَ عَلَى أَنْ يَتَقَيَّدَ بِالسَّجْدَةِ وَالْقِيَامِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ فَحِينَ سَجَدَ تَقَيَّدَ رُكُوعُهُ بِهِ فَكَانَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ قَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ، فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً؛ لِأَنَّ رُكُوعَهُ الْأَوَّلَ حَصَلَ فِي أَوَانِهِ، وَالثَّانِي وَقَعَ مُكَرَّرًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فَبِسُجُودِهِ يَتَقَيَّدُ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَرَأَ أَوَّلًا وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَلَمْ يَرْكَعْ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْكَعْ، فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً؛ لِأَنَّ سُجُودَهُ الْأَوَّلَ حَصَلَ قَبْلَ أَوَانِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَحِينَ قَرَأَ وَرَكَعَ تَوَقَّفَ هَذَا الرُّكُوعُ عَلَى التَّقَيُّدِ بِسُجُودِهِ بَعْدَهُ، فَحِينَ سَجَدَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ تَقَيَّدَ بِهِ ذَلِكَ الرُّكُوعُ فَكَانَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً.
وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ فِي الْأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ وَرَكَعَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَسْجُدْ وَسَجَدَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَرْكَعْ، فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ تَوَقَّفَ عَلَى السُّجُودِ فَحِينَ سَجَدَ فِي الثَّالِثَةِ تَقَيَّدَ بِهَا الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ فَصَارَ مُصَلِّيًا رَكْعَةً وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِتَمَكُّنِ السُّهُولَةِ بِمَا زَادَ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: زِيَادَةُ السَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ كَزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ السَّجْدَةَ الْوَاحِدَةَ قُرْبَةٌ بَيَانُهُ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ إلَّا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ، وَزِيَادَةُ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَإِذَا سَهَا الْمُصَلِّي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.