وَلَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّةَ الْحُرْمَةِ فِي الرِّبَا بِقَوْلِهِ: الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ وَالْكَاتِبَ وَالشَّاهِدَ فِيهِ سَوَاءٌ أَيْ فِي الْمَأْثَمِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً»، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي وَالرَّايِشُ فِي النَّارِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَعَانَ الظَّلَمَةَ، أَوْ كَتَبَ لَهُمْ» وَالْأَصْلُ فِي الْكُلِّ قَوْلُهُ {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]
وَعَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَقُلْت إنِّي سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: لَيْسَ فِي يَدٍ بِيَدٍ رِبًا فَمَشَى إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَا مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: أَسْمَعْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ نَسْمَعْ؟ فَقَالَ: لَا، فَحَدَّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَدِيثَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا أُفْتِي بِهِ أَبَدًا»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِجِنْسِهِمَا إذَا اعْتَدَلَ الْبَدَلَانِ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَيَقُّنِنَا بِالْمُمَاثَلَةِ وَزْنًا، وَالْمُمَاثَلَةُ إذَا وُزِنَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ إذَا وُزِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّنَجَاتِ، وَفِيهِ دَلِيلُ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ فَتْوَاهُ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ انْقَادَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهَذَا لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَالْوَرَعِ، وَإِنَّمَا مَشَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِطَرِيقِ الْخَشْيَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ لَأَتَاهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ لِلْكَبِيرِ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّبَا، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْإِرْبَاءَ.
، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ بَقَايَا بَيْتِ الْمَالِ يَدًا بِيَدٍ بِفَضْلٍ فَخَرَّجَ خُرْجَةً إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ رِبًا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَخْلَفَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَخْبَرَةَ الْأَسَدِيَّ فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهَاهُ عَنْ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَامِلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْكُوفَةِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّنْعَةِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعِ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْبِقَايَةَ مَعَ الْجَيِّدِ نَوْعَيْنِ فَيُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ»، ثُمَّ سَأَلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْكُلَّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكُلَّ فِضَّةٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.