الصَّرْفِ كَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِدَنَانِيرَ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ السَّيْفَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، فِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَوْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَخَذَ رَهْنًا بِالسَّيْفِ، وَفِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَاسْتِيفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ الْعَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٌ فَيَبْقَى السَّيْفُ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ السَّيْفِ وَمِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْمَقْبُوضُ عَلَى جِهَةِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ السَّيْفِ مِنْطَقَةٌ أَوْ سَرْجٌ مُفَضَّضٌ أَوْ إنَاءٌ مَصُوغٌ أَوْ فِضَّةُ تِبْرٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التِّبْرَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ جَعَلَهُ كَالسَّيْفِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِيفَاءِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَالِافْتِرَاقُ قَبْلَهُ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ الصَّرْفِ وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنُ الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمِمَّا رَهَنَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ رَهْنًا بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْمُثَمَّنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ بَاقٍ بَعْدَ مَا بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ فَعِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَتِمُّ الِاسْتِيفَاءُ فِيمَا انْعَقَدَ ضَمَانُهُ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ الْمُوجِبُ لِلِاسْتِيفَاءِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الصَّرْفِ فِي الْمَعَادِنِ وَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ]
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ذَكَرَ حَدِيثَ «أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي الْبِئْرِ جَعَلُوهَا عَقْلَهُ وَإِذَا جَرَحَتْهُ دَابَّةٌ جَعَلُوهَا عَقْلَهُ وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ مَعْدِنٌ جَعَلُوهُ عَقْلَهُ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قَالُوا: وَمَا الرِّكَازُ قَالَ: الذَّهَبَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَهَا» وَالْمُرَادُ بِالْعَجْمَاءِ الدَّابَّةُ لِأَنَّهَا بَهِيمَةٌ لَا تَنْطِقُ أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ يُسَمَّى أَعْجَمِيًّا، وَالْجُبَارُ الْهَدَرُ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ بِأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا ذِمَّةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ: وَالرِّجْلُ جُبَارُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا رَمَحَتْ بِرِجْلِهَا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَدَمَتْ الدَّابَّةُ أَوْ ضَرَبَتْ بِالْيَدِ حَيْثُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ فِي وُسْعِ الرَّاكِبِ أَنْ يَمْنَعَهُ بِأَنْ يَرُدَّ لِجَامَهُ. وَأَمَّا الْبِئْرُ وَالْمَعْدِنُ فَجُبَارٌ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِعَمَلِ مَنْ يُعَالِجُهُ فَيَكُونُ كَالْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.