كَالنَّائِمَةِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهَا، وَتَأْثِيرُ هَذَا الْوَصْفِ أَنَّ فِي الثُّيُوبَةِ مَعْنَى الِاخْتِبَارِ وَمُمَارَسَةِ الرِّجَالِ، وَفِي النِّكَاحِ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ مَعْنَيَانِ مَعْنَى الضَّرَرِ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا، وَمَعْنَى الْمَنْفَعَةِ بِقَضَاءِ شَهْوَتِهَا فَمَنْ تَرَجَّحَ مَعْنَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي جَانِبِهَا تَخْتَارُ الزَّوْجَ وَمَنْ تَرَجَّحَ مَعْنَى ضَرَرِ الْمِلْكِ تَخْتَارُ التَّأَيُّمَ، وَإِنَّمَا تَتَمَكَّنُ مِنْ التَّمْيِيزِ بِالتَّجْرِبَةِ؛ لِأَنَّ لَذَّةَ الْجِمَاعِ بِالْوَصْفِ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً وَالتَّجْرِبَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالثُّيُوبَةِ فَكَانَتْ صِفَةُ الثُّيُوبَةِ فِي حَقِّهَا نَظِيرَ الْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْغُلَامِ، وَفِي حَقِّ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَلِهَذَا تَزُولُ وِلَايَةُ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهَا بِالثُّيُوبَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَا يَحْدُثُ لَهَا فِي التَّأَنِّي مِنْ الرَّأْيِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجْنُونَةِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُفْقِدُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ، وَلَوْ لَمْ يُزَوِّجْهَا وَلِيُّهَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ بِهَا فِي الْحَالِ وَالصِّغَرُ يُفْقِدُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ فِي تَأْخِيرِ الْعَقْدِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ مَعْنَى الْإِضْرَارِ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِزَوَالِ الْجُنُونِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَلَا يَدْرِي أَيُفِيقُ أَمْ لَا؟ وَفِي تَأْخِيرِ الْعَقْدِ لَا إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ إبْطَالُ حَقِّهَا، فَأَمَّا الصِّغَرُ لِزَوَالِهِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَلَا يَكُونُ فِي تَأْخِيرِ الْعَقْدِ إلَى بُلُوغِهَا إبْطَالُ حَقِّهَا. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى مَنْ لَا يَلِي نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَيَسْتَبِدُّ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا كَالْبِكْرِ. وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ الشَّرْعَ بِاعْتِبَارِ صِغَرِهَا أَقَامَ رَأْيَ الْوَلِيِّ مُقَامَ رَأْيِهَا كَمَا فِي حَقِّ الْغُلَامِ وَكَمَا فِي حَقِّ الْمَالِ وَبِالثُّيُوبَةِ لَا يَزُولُ الصِّغَرُ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الرَّأْيِ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِالثُّيُوبَةِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ؛ لِأَنَّهَا مَا نَضَّتْ شَهْوَتُهَا بِهَذَا الْفِعْلِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَهَا رَأْيٌ فَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ التَّصَرُّفِ بِحُكْمِ الرَّأْيِ فَيُقَامُ رَأْيُ الْوَلِيِّ مَقَامَ رَأْيِهَا كَمَا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَاجِزَةً عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهَا أُقِيمَ تَصَرُّفُ الْوَلِيِّ مُقَامَ تَصَرُّفِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْبَالِغَةُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِهِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ الْمُشَاوَرَةُ وَكَوْنُهَا أَحَقَّ بِنَفْسِهَا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْبَالِغَةِ دُونَ الصَّغِيرَةِ وَلَئِنْ ثَبَتَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ مُرَادٌ فَالْمُرَادُ الْمَشُورَةُ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ دُونَ الْحَتْمِ كَمَا أَمَرَ بِاسْتِئْمَارِ أُمَّهَاتِ الْبَنَاتِ، فَقَالَ: وَتُؤَامَرُ النِّسَاءُ فِي إبْضَاعِ بَنَاتِهِنَّ، وَكَانَ بِطَرِيقِ النَّدْبِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَكَمَا يَجُوزُ لِلْأَبِ عِنْدَنَا تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهَا يَتِيمَةٌ وَالثَّانِي أَنَّهَا ثَيِّبٌ
(قَالَ): وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّغِيرَةِ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَيُّهُمَا زَوَّجَهَا جَازَ عِنْدَنَا وَمِنْ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا لِنُفُوذِ الْعَقْدِ كَالْمَوْلَيَيْنِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ أَوْ الْمُعْتَقَةِ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ»، وَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْوَصْفِ بِالتَّجَزِّي، وَالْحُكْمُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.