يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ قَبِلْت، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ إذَا قَالَ: جِئْتُك خَاطِبًا فَقَالَتْ: قَدْ فَعَلْت أَوْ زَوَّجْتُك نَفْسِي كَانَ نِكَاحًا تَامًّا، وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ: إذَا قَالَ: خَطَبْتُك إلَى نَفْسِك بِكَذَا فَقَالَتْ: زَوَّجْتُك نَفْسِي فَهُوَ نِكَاحٌ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ، وَلَيْسَ بِقِيَاسِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِلَفْظِ الْخِطْبَةِ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ غَيْرُ الْعَقْدِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي عَادَةِ النَّاسِ الْعَقْدُ، فَلِأَجْلِ الْفَرْقِ الظَّاهِرِ جَعَلْنَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ اسْتِحْسَانًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْمُهُورِ]
(قَالَ:) وَعَقْدُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ جَائِزٌ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهَذَا مَذْهَبُنَا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَجِبُ لِلْمُفَوِّضَةِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا عِنْدَهُ، وَمَشَايِخُهُمْ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُخْتَلِفُونَ فِيمَا إذَا دَخَلَ بِهَا، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبُ بِالدُّخُولِ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا: حَسْبُهَا الْمِيرَاثُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا جَادَتْ بِحَقِّهَا، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْجُودِ فَيَصِحُّ مِنْهَا كَمَا لَوْ وَهَبَتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالنِّكَاحِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبِي أَوْ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُكُمْ فَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ فَبَدَلُهُ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ الطَّرَفِ يُخَلَّصُ حَقًّا لَهَا، وَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهَا، وَإِنْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْفَعَةِ فَبَدَلُ الْمَنْفَعَةِ لَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا تَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْمَهْرِ، وَالشِّرَاءَ بِهِ شَيْئًا، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا لَا يَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهَا كَمَا رَضِيَتْ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ فَقَدْ رَضِيَتْ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ فِيمَا يَجِبُ بِالِاسْتِيفَاءِ مَعْنَى حَقِّ الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَجِبُ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْعُقُوبَةِ، وَهُوَ حَدُّ الزِّنَا يَكُونُ خَالِصَ حَقِّ الشَّرْعِ.
فَكَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي يَجِبُ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا بِالِاسْتِيفَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: ٢٤]؛ وَلِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إلَّا بِذِكْرِهِمَا، فَأَمَّا الْمَهْرُ لَيْسَ بِعِوَضٍ أَصْلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ زَائِدٌ وَجَبَ لَهَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.