وَهُوَ السُّكُوتُ وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي عَارِضًا وَهُوَ الرَّدُّ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ كَالْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ مَعَ صَاحِبِهِ إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَادَّعَى الْمَشْرُوطُ لَهُ الْخِيَارُ الرَّدَّ وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ وَهُوَ السُّكُوتُ.
وَكَذَلِكَ الشَّفِيعُ مَعَ الْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ الشَّفِيعُ: عَلِمْتُ بِالْبَيْعِ أَمْسِ فَطَلَبْتُ الشُّفْعَةَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ سَكَتَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِتَمَسُّكِهِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الزَّوْجُ يَدَّعِي مِلْكَ بُضْعِهَا وَهَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ، وَهِيَ تُنْكِرُ ثُبُوتَ مِلْكِهِ عَلَيْهَا فَكَانَتْ هِيَ الْمُتَمَسِّكَةُ بِالْأَصْلِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا كَمَا لَوْ ادَّعَى أَصْلَ الْعَقْدِ وَأَنْكَرَتْ هِيَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَوْعٌ ظَاهِرٌ، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَحَاجَةُ الزَّوْجِ هُنَا إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْيَوْمُ وَقَالَ الْعَبْدُ: لَمْ أَدْخُلْ وَقَالَ الْمَوْلَى: قَدْ دَخَلْت عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ؛ لِتَمَسُّكِهِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَعِنْدَنَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْعَبْدِ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالظَّاهِرُ لِهَذَا لَا يَكْفِي؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ شَرْطٌ لِلْعِتْقِ وَلَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ الشَّرْطِ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ فَكَذَا هُنَا رِضَاهَا شَرْطٌ؛ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ وَالظَّاهِرُ لَا يَكْفِي؛ لِذَلِكَ فَأَمَّا الشَّفِيعُ إذَا قَالَ: طَلَبْت الشُّفْعَةَ حِينَ عَلِمْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَمْسِ وَطَلَبْت الْآنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْمُشْتَرِي إلَى دَفْعِ اسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِلدَّفْعِ.
وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ فَإِنَّ سَبَبَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَهُوَ مُضِيُّ مُدَّةِ الْخِيَارِ قَدْ ظَهَرَ فَحَاجَةُ الْآخَرِ إلَى دَفْعِ اسْتِحْقَاقِ مُدَّعِي الْفَسْخِ، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِذَلِكَ، فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى سُكُوتِهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تُسْتَحْلَفُ فَإِنْ نَكَلَتْ قُضِيَ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُسْتَحْلَفُ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُقْضَى بِالنُّكُولِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الدَّعْوَى فَصْلًا شَائِعًا إذَا ادَّعَتْ الْأَمَةُ عَلَى مَوْلَاهَا أَنَّهَا أَسْقَطَتْ سِقْطًا مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِيهَا بِالنُّكُولِ كَالْأَمْوَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ النُّكُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ وَالسُّكُوتُ مُحْتَمِلٌ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْقِصَاصُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.