وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ
ــ
٦٧ - ٦٦ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) جَاءَ هَذَا صَحِيحًا مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ إِلَّا أَنَّ فِيهِ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ» .
وَمِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِهِمَا وَالْبَيْهَقِيُّ إِلَّا أَنَّ فِيهِ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ، وَسَائِرُهُ بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَقِيمُوا» ) أَيْ لَا تَزِيغُوا وَتَمِيلُوا عَمَّا سُنَّ لَكُمْ وَفُرِضَ عَلَيْكُمْ وَلَيْتَكُمْ تُطِيقُونَ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيِ الْزَمُوا الْمَنْهَجَ الْمُسْتَقِيمَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى إِيفَاءِ حُقُوقِ الْحَقِّ - جَلَّ جَلَالُهُ - وَرِعَايَةِ حُدُودِهِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ.
(وَلَنْ تُحْصُوا) ثَوَابَ الِاسْتِقَامَةِ إِنِ اسْتَقَمْتُمْ. قَالَهُ مُطَرِّفٌ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: ١٨] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ ١٨) وَلَنْ تُطِيقُوا أَنْ تَسْتَقِيمُوا حَقَّ الِاسْتِقَامَةِ لِعُسْرِهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِقَوْلِهِ: وَلَيْتَكُمْ تُطِيقُونَ أَوْ لَنْ تُطِيقُوهَا بِقُوَّتِكُمْ وَحَوْلِكُمْ وَإِنْ بَذَلْتُمْ جُهْدَكُمْ بَلْ بِاللَّهِ، أَوِ اسْتَقِيمُوا عَلَى الطَّرِيقِ الْحُسْنَى وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا الْإِحَاطَةَ فِي الْأَعْمَالِ وَلَا بُدَّ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ تَقْصِيرٍ وَمَلَالٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ أَيْ لَا يُمْكِنُكُمُ اسْتِيعَابَ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: ٢٠] (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: الْآيَةُ ٢٠) اهـ.
وَكَأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ تَنْبِيهُ الْمُكَلَّفِ عَلَى رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ وَتَحْرِيضُهُ عَلَى الْجَدِّ لِئَلَّا يَتَّكِلَ عَلَى عَمَلِهِ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَخْبَرَهُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِيفَاءِ حَقِّهِ وَالْبُلُوغِ إِلَى غَايَتِهِ لِئَلَّا يَغْفُلُوا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَّكِلُوا عَلَى مَا تَأْتُونَ بِهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةِ رَبِّكُمْ فِيمَا تَذَرُوَنَ عَجْزًا وَقُصُورًا لَا تَقْصِيرًا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (وَلَنْ تُحْصُوا) إِخْبَارٌ وَاعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَمَا اعْتَرَضَ وَلَنْ تَفْعَلُوا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا} [البقرة: ٢٤] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٤) كَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَرَهُمْ بالِاسْتِقَامَةِ وَهِيَ شَاقَّةٌ جِدًّا تَدَارَكَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَنْ تُحْصُوا) رَحْمَةً وَرَأْفَةً مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦] (سُورَةُ التَّغَابُنِ: الْآيَةُ ١٦) بَعْدَمَا أَنْزَلَ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: ١٠٢] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ١٠٢) أَيْ وَاجِبُ تَقْوَاهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.