الْمُنْفَرِدُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ فِي اقْتِنَاءِ الْحَمِيرِ طَاعَةً رَأَى ثَوَابَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً رَأَى عِقَابَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَعْنِي أَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ فِي عُمُومِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْهَا لِأَنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَأَمَّا الْخَيْرُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَاهُ فِي الْقِيَامَةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّرُّ فَتَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ فِي: " «الْحُمُرُ لَمْ يُنْزَلْ عَلَى فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا» ". . . إِلَخْ، وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِوَحْيٍ وَتَلَا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣ - ٤] (سُورَةُ النَّجْمِ: الْآيَةُ ٣، ٤) وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: " «أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» " وَبِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» " {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة: ٧] أَيْ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ، وَقِيلَ: الذَّرُّ مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الْهَبَاءِ {خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ - ٨] قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ تَعْلِيمُ الِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ شَبَّهَ مَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ حُكْمَهُ فِي كِتَابِهِ وَهِيَ الْحُمُرُ بِمَا ذَكَرَهُ مَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَهَذَا نَفْسُ الْقِيَاسِ الَّذِي يُنْكِرُهُ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدَهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالْعُمُومِ وَإِثْبَاتٌ لِصِيغَتِهِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ أَوْ وَقَفَ، وَفِيهِ تَحْقِيقٌ لِإِثْبَاتِ الْعَمَلِ بِظَوَاهِرِ الْعُمُومِ وَأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ حَتَّى يَدُلَّ التَّخْصِيصُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ الْمَنْصُوصِ وَالْعَامِّ الظَّاهِرِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ دُونَ الْمَنْصُوصِ فِي الدَّلَالَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ أَيْضًا فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ الْوَاقِعَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ نَحْوُ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: ٤٦] (سُورَةُ فُصِّلَتْ: الْآيَةُ ٤٦) وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عُمُومِ آيَةِ {فَمَنْ يَعْمَلْ} [الأنبياء: ٩٤] الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ أَحْكَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَأَصْدَقُ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَتَيْنِ أَحْصَتَا مَا فِي التَّوْرَاةِ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ - ٨] (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: الْآيَةُ ٧، ٨) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُسَاقَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي الْجِهَادِ وَعَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَفِي الِاعْتِصَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ مُطَوَّلًا مِنْ طُرُقٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.