الطِّيبِيُّ: ثُمَّ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى تَرَاخِي الزَّمَانِ لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى تَرَاخِي الرُّتْبَةِ هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ التَّمَنِّيَ حُصُولُ دَرَجَاتٍ بَعْدَ الْقَتْلِ وَالْإِحْيَاءِ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَهَا لِنَيْلِ مَرْتَبَةٍ بَعْدَ مَرْتَبَةٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى.
(فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا أَشْهَدُ بِاللَّهِ) أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ، وَفَائِدَةُ التَّأْكِيدِ لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُ سَامِعِهِ إِلَيْهِ وَلَا يَشُكَّ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧] (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٦٧) وَرَدَّ بِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِسَمَاعِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَمَنِّيَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ» " وَلَهُ نَظَائِرُ فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا أَشْبَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَوَازِ قَوْلِهِ: وَدِدْتُ حُصُولَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ، وَالْأَجْرُ يَقَعُ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ وَتَمَنِّي مَا يَمْتَنِعُ عَادَةً وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَادِرِ، أَمَّا الْعَاجِزُ فَمَعْذُورٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: ٩٥] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٩٥) وَأَدِلَّةُ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّمَنِّي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.