وَقَالَ تَعَالَى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا} [النساء: ٨٩] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةَ ٨٩) وَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: ١٠٩] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةَ ١٠٩) (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ) قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ كَمَا زَادَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (وَمَا ذَاكَ) أَيِ الْبُغْضُ (بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ: أَجُورَ (عَلَيْكُمْ) لِأَنَّهُ يَكُونُ ظُلْمًا.
وَفِي الْحَدِيثِ: " «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَفِيهِ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ لَا يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ عَلَى ظُلْمِ مَنْ أَبْغَضَ» " (فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ (فَإِنَّهَا سُحْتٌ) أَيْ حَرَامٌ (وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا) لِحُرْمَتِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ فِي الْيَهُودِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: ٤٢] (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الْآيَةَ ٤٢) إِنَّهُ الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ (فَقَالُوا بِهَذَا) الْعَدْلِ (قَامَتِ السَّمَاوَاتُ) فَوْقَ الرُّءُوسِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (وَالْأَرْضُ) اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّشْوَةَ عِنْدَ الْيَهُودِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِمْ بِهَذَا، وَلَوْلَا حُرْمَتُهُ فِي كِتَابِهِمْ مَا عَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: ٤٢] وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَفِيهِ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ أَوِ الشَّاهِدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ أَوِ الشَّهَادَةِ بِهِ رِشْوَةٌ، وَكُلُّ رِشْوَةٍ سُحْتٌ، وَكُلُّ سُحْتٍ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَكْلُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ.
(قَالَ مَالِكٌ: إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ فَمَا ازْدَرَعَ) أَيْ زَرَعَ (الرَّجُلُ الدَّاخِلُ) أَيْ عَامِلُ الْمُسَاقَاةِ (فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «عَلَى أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» " فَلَمْ يَشْتَرِطْ إِلَّا نِصْفَ الثَّمَرِ، وَذَلِكَ وَقْتُ تَبْيِينِ الْحُقُوقِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَكُونُ لَهُ، وَأَيْضًا فَالْأَرْضُ بِيَدِ الْعَامِلِينَ، وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا مَا شَرَطَهُ دُونَ سَائِرِ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَلِذَا انْفَرَدُوا بِمَسَاكِنِهَا وَمَزَارِعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدَيْنِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
(فَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.