تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا (فَاشْتَرِطِي) بِصِيغَةِ أَمْرِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الشَّرْطِ (لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) فَعَبَّرَ بِإِنَّمَا الَّتِي لِلْحَصْرِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ (فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) الشِّرَاءَ وَالْعِتْقَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ، وَاسْتُشْكِلَ صُدُورُ إِذْنهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ يُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَخِدَاعِ الْبَائِعِينَ، وَشَرْطِ مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ، وَلِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى تَضْعِيفِ رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمُصَرِّحَةِ بِالِاشْتِرَاطِ لِانْفِرَادِهِ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ أَبِيهِ، وَرِوَايَاتُ غَيْرِهِ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ هِشَامًا رَوَى بِالْمَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، وَأَثْبَتَ الرِّوَايَةَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: هِشَامٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: وَكَلَامُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غَلَطٌ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي التَّوْجِيهِ فَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ بِلَفْظِ: " وَأَشْرِطِي " بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ فَوْقِيَّةٍ، وَمَعْنَاهُ أَظْهِرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ، وَالِاشْتِرَاطُ الْإِظْهَارُ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ يَذْكُرُ رَجُلًا نَزَلَ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ إِلَى نَبْقَةٍ يَقْطَعُهَا لِيَتَّخِذَ مِنْهَا قَوْسًا:
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
أَيْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ لَمَّا حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ، انْتَهَى. فَأَنْكَرَ غَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ " وَاشْتَرِطِي " بِالْفَوْقِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: ٧] (سورة الْإِسْرَاءِ: الْآيَةَ ٧) قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْمُزَنِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاطَ وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلَى لَمْ يُنْكِرْهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أَنْكَرَ إِرَادَةَ الِاشْتِرَاطِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ. وَضَعَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ اللَّامَ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ، فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَمْرُ فِي اشْتَرِطِي لِلْإِبَاحَةِ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ كَأَنَّهُ قَالَ: اشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: اشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا. وَقِيلَ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ الْوَلَاءَ بَاطِلٌ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ عُلِمَ بُطْلَانُهُ، أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا التَّهْدِيدَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: ١٠٥] (سورة التَّوْبَةِ: الْآيَةَ: ١٠٥) وَكَقَوْلِ مُوسَى: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [يونس: ٨٠] (سورة يُونُسَ: الْآيَةَ: ٨٠) فَلَيْسَ بِنَافِعِكُمْ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: اشْتَرِطِي لَهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.