صَاحِبِهِمُ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: ١٧٩] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٧٩) وَقَوْلِهِ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} [المائدة: ٨٢] (سورة الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٨٢) فَلِلْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ بَدَّأَهُمْ بِالْأَيْمَانِ، وَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ سَبَبًا تُقَوَّى بِهَا دَعْوَاهُمْ ; لِأَنَّهُ لَطْخٌ يَلِيقُ بِهِمْ غَالِبًا لِعَدَاوَتِهِمْ، وَمِنْ سُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ فِي دَعْوَاهُ وَجَبَتْ تَبْدِيَتُهُ بِالْيَمِينِ، وَلِهَذَا جَاءَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ قَطْعِ التَّطَرُّقِ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَقَبْضِ أَيْدِي الْأَعْدَاءِ عَلَى إِرَاقَةِ دِمَاءِ مَنْ عَادَوْهُ عَلَى الدُّنْيَا.
وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ: يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْحَلِفِ لِعُمُومِ حَدِيثِ " «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» "، وَعَارَضُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا؟ فَأَبَوْا فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: أَتَحْلِفُونَ؟ فَقَالُوا: نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْيَهُودِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» " وَالْجَوَابُ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ أَصَحُّ، وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ نَفْسُهُ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَضَى بِمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْأَثْبَتُ وَالْأَوْلَى، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ الشَّأْنُ هَكَذَا، وَلَكِنَّ سَهْلًا وَهِمَ مَا قَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ فَدُوهُ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحْلِفُونَ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ ; لِأَنَّ قَوْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَرُدُّ قَوْلَ سَهْلٍ الْمُخْبِرِ عَمَّا شَاهَدَ حَتَّى رَكَضَتْهُ مِنْهَا نَاقَةٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ لَمْ يَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَهِدَ الْقِصَّةَ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ) فِي الْعَمْدِ (وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا يُقْتَلُ فِيهِ اثْنَانِ) لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ فَيُدْفَعُ لَكُمْ بِرُمَّتِهِ» " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: " «تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ» " فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَعْيِينِ رَجُلٍ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.