بِكَسْرِ الْكَافِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ أَوِ الْمَوْضِعُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا (تَنْفِي) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ (خَبَثَهَا) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَا تُبْرِزُهُ النَّارُ مِنْ وَسَخٍ وَقَذَرٍ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ مِنَ الشَّيْءِ الْخَبِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْكِيرِ.
(وَيَنْصَعُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتَحِ الصَّادِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ أَيْ يَخْلُصُ (طِيبُهَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ خَفِيفَةً وَالرَّفْعُ فَاعِلُ يَنْصَعُ، وَفِي رِوَايَةٍ تَنْصَعُ بِالْفَوْقِيَّةِ طِيبَهَا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ مُخَفَّفًا أَيْضًا، وَبِهِ ضَبْطَهُ الْقَزَّازُ لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ النُّصُوعَ فِي الطِّيبِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةِ وَاوٍ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ مَعْنَى يَنْصَعُ يَصْفُو وَيَخْلُصُ، يُقَالُ طِيبٌ نَاصِعٌ إِذَا خَلُصَتْ رَائِحَتُهُ وَصَفَتْ مِمَّا يُنْقِصُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ طَيِّبُهَا بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ مَكْسُورَةً وَالرَّفْعِ فَاعِلٌ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ أَقْوَمُ مَعْنًى لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَبِيثِ أَيْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْكِيرِ وَالطِّيبِ، شَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَمَا يُصِيبُ سَاكِنَهَا مِنَ الْجَهْدِ بِالْكِيرِ وَمَا يَدُورُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ فَيَذْهَبُ الْخَبِيثُ وَيَبْقَى الطَّيِّبُ، وَكَذَلِكَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي شَرَارَهَا بِالْحُمَّى وَالْجُوعِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمُ انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا تَشْبِيهٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْكِيرَ بِشِدَّةِ نَفْخِهِ يَنْفِي عَنِ النَّارِ السُّخَامَ وَالدُّخَانَ وَالرَّمَادَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا خَالِصُ الْجَمْرِ، هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِالْكِيرِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَوْضِعُ فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ يَنْزِعُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيُخْرِجُ خُلَاصَةَ ذَلِكَ، وَالْمَدِينَةُ كَذَلِكَ تَنْفِي شِرَارَ النَّاسِ بِالْحُمَّى وَالْوَصَبِ وَشِدَّةِ الْعَيْشِ وَضِيقِ الْحَالِ الَّتِي تُخَلِّصُ النَّفْسَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الشَّهَوَاتِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الِاعْتِصَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ عَنْ يَحْيَى الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.