وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَيَنَالُهُ فَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان إذا تؤضأ مَسَحَ بِأُصْبُعَيْهِ آمَاقَ عَيْنَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ غَسْلُ الْعَيْنَيْنِ مَسْنُونًا أَوْ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ أَوْ بَيَانًا لِغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ فِي الْغَسْلِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وإن كَانَ أَقْطَعَهُمَا مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ فيهما. وأحب أن لو أمس موضهما الماء ".
قال الْمَاوَرْدِيُّ: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِذَا غَسَلَهُمَا لَزِمَهُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ مَعَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ إِلَّا زفر بن الهذيل، فَإِنَّهُ قَالَ: غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى جعلهما ما حَدًّا فَقَالَ: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] . وَالْحَدُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] . فَجَعَلَ اللَّيْلَ حَدًّا فَلَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيمَا لَزِمَ إِتْمَامُهُ مِنَ الصِّيَامِ وَكَمَا قَالَ بِعْتُكَ الدَّارَ وَحْدَهَا إِلَى الدُّكَّانِ لَمْ يَكُنِ الدُّكَّانُ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] . فَكَانَ الدَّلِيلُ فِي الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى مَعَ وَلَيْسَتْ غَايَةً لِلْمَحْدُودِ فَتَصِيرُ حَدًّا وَتَقْدِيرُهُ مَعَ الْمَرَافِقِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: ١٤] . أَيْ مَعَ شَيَاطِينِهِمْ، وَكَقَوْلِهِ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [الصف؛ ١٤] . أَيْ مَعَ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِلَى وَإِنْ كَانَتْ حَدًّا وَغَايَةً فَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّ الْحَدَّ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَلَ فِي جُمْلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ بِعْتُكَ الثَّوْبَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.