قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ هَدْيًا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ أَوْ لَا يُعَيِّنَ فَإِنْ عَيَّنَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَهُ حَيْثُ عَيَّنَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عَيَّنَ نَحْرَهُ فِيهِ حِلًّا أَوْ حَرَمًا، فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْحَرَهُ بِغَيْرِهَا، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَهُ بِالْبَصْرَةِ فَإِنْ نَحْرَهُ بِالْبَصْرَةِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ أولى وإن نحره بغير الْإِرَاقَةَ وَالتَّفْرِقَةَ لِوُجُودِ الْقُرْبَةِ فِي الْإِرَاقَةِ وَفِي غَيْرِ الْحَرَمِ يَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّفْرِقَةَ دُونَ الْإِرَاقَةِ فَلَا يَجُوزُ إِذَا عَيَّنَهُ بِالْبَصْرَةِ أَنْ يُفَرِّقَهُ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَقًّا لِمَسَاكِينِهَا، فَلَوْ سَاقَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ فَأُحْصِرَ دُونَهُ جَازَ أَنْ يَنْحَرَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَكَذَلِكَ مَا سَاقَ مَعَهُ مِنَ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ كَدَمِ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ، وَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ فَأُحْصِرَ دُونَ الْحَرَمِ فَنَحَرَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ مَحِلُّ إِحْلَالِهِ فَهَذَا الْكَلَامَ فِي الْهَدْيِ الَّذِي عَيَّنَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ نَحْرِهِ بَلْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ يُوجِبُ هَدْيَ مَا يَجُوزُ أُضْحِيَةً مِنَ النَّعَمِ دُونَ غَيْرِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ حُكْمَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ كَحُكْمِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ مَحِلَُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ) {الحج: ٣٣) فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ يُجِيزُ هَدْيَ النَّعَمِ وَغَيْرِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، لِأَنَّنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نُجْرِيهِ مَجْرَى الصَّدَقَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ) {المائدة: ٩٥) فَجَعَلَ شرطاً في الهدي إبلاغه الحرم.
[مسألة]
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً قَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ وَأَشْعَرَهَا وَضَرَبَ شِقَّهَا الْأَيْمَنَ مِنْ مَوْضِعِ السَّنَامِ بحديدةٍ حَتَّى يُدْمِيَهَا وَهِيَ مستقبلةٌ الْقُبْلَةَ وَإِنْ كَانَتْ شاةٌ قَلَّدَهَا خربَ الْقِرَبِ وَلَا يُشْعِرُهَا وَإِنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ أَجْزَأْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا كَانَ الْهَدْيُ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَمِنَ السُّنَّةَ تَقْلِيدُهَا وَإِشْعَارُهَا وَإِنْ كَانَتْ شَاةً فَمِنَ السُّنَّةِ تَقْلِيدُهَا دُونَ إِشْعَارِهَا سَوَاءٌ كَانَ هَدْيَ إِحْصَارٍ أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: الْإِشْعَارُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَالتَّقْلِيدُ سُنَّةٌ إِلَّا فِي هَدْيِ الْإِحْصَارِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ وَفِي الْإِشْعَارِ مُثْلَةٌ وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَفِي الْإِشْعَارِ تَعْذِيبٌ لَهَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْهَدْيِ لَحْمُهُ وَالْإِشْعَارُ يَهْزِلُهُ وَيُفْسِدُهُ وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ حَتَّى إِذَا أَتَى ذَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.