[باب تفريق القطائع وغيرها]
[مسألة]
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالْقَطَائِعُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا مَضَى. وَالثَّانِي إِقْطَاعُ إرفاقٍ لَا تمليكٍ مِثْلُ الْمَقَاعِدِ بِالْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا لِلْبَيْعِ كَانَ بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْهَا مَا كَانَ مُقِيمًا فِيهِ فَإِذَا فَارَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَأَفْنِيَةِ الْعَرَبِ وَفَسَاطِيطِهِمْ فَإِذَا انْتَجَعُوا لَمْ يَمْلِكُوا بِهَا حَيْثُ تَرَكُوا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إِقْطَاعَ السُّلْطَانِ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى مَا كَانَ مُبَاحًا مِنَ الْأَرْضِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكُ مُسْلِمٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُعْطِيَ إِنْسَانًا مَا لَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَوَاتٍ لَا مَالِكَ لَهُ وَالسُّلْطَانُ لَا يُحِلُّ لَهُ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَلَوْ أَعْطَى السُّلْطَانُ أَحَدًا شَيْئًا لَا يَحِلُّ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ مَعَ مَا قَدِ استقرت عليه أصول الشرع أن ما ستقر عَلَيْهِ مِلْكُ آدَمِيٍّ لَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ أَحَدًا وَإِنْ أَقْطَعهُ جَازَ لِلْمُقطعِ أَنْ يَمْلِكَهُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَسْتَقِر عَلَيْهِ مِلْكٌ مِنْ سِبَاخِ الْأَرْضِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ، وَقِسْمٌ يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ، وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ إِقْطَاعِهِ، فَأَمَّا مَا لا يجوز إقاطعه فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَسَائِرُ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ إِقْطَاعِهِ فَهِيَ الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا، وَأَمَّا مَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُمْلَكُ بَعْدَ الْإِقْطَاعِ وَقِسْمٌ لَا يُمْلَكُ، وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي تَمْلِيكِهِ، فَأَمَّا مَا يُمْلَكُ بَعْدَ الْإِقْطَاعِ فَهُوَ الْمَوَاتُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَقَدْ مَضَى، وَأَمَّا مَا يُمْلَكُ بِالْإِقْطَاعِ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ الِارْتِفَاقُ بِمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَأَقْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَحَرِيمِ الْأَمْصَارِ، وَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ الْبَاعَةُ وَأَنْ تُحَطَّ فِيهِ الرِّحَالُ فَهَذَا مُبَاحٌ، قَدْ أَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الناس عليه بمكة والمدنيه وَمَكَّنَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ فِي الْأَمْصَارِ كُلِّهَا فُتُوحَهَا وَمُحَيَّاهَا، وَلِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ مَاسَّةٌ وَضَرُورَتَهُمْ إِلَيْهِ دَاعِيَةٌ فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِطْرَاقِ وَالِارْتِفَاقِ، وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي تَمْلِيكِهِ فهو المعادن الباطنة.
[فصل]
: فإذا تقرر جواز الِارْتِفَاق بِمَا وَصَفْنَا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارِي وَالْفَلَوَاتِ، وَضَرْبٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَقْنِيَةِ الْمَنَازِلِ وَالْأَمْلَاكِ، وَضَرْبٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَقْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارِي وَالْفَلَوَاتِ كَمَنَازِلِ الْمُسَافِرِينَ إِذَا حَلُّوا فِي أَسْفَارِهِمْ بِمَنْزِلٍ اسْتِرَاحَةً فَلَا نَظَرَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِبُعْدِهِ عَنْهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.