أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ إِذَا مُنِعَ تَفْرِيقُهَا.
وَالثَّانِي: تَصِحُّ إِذَا أُجِيزَ تَفْرِيقُهَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهَكَذَا إِنْ دَعَتْهُ الْحَاجَةُ أَنْ يُهَادِنَهُمْ خَمْسَ سِنِينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُهَادِنَهُمْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ بَاطِلًا، وَفِي بُطْلَانِ الْهُدْنَةِ فِي الْخَمْسِ قَوْلَانِ. وَلَوْ هَادَنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ لِحَاجَةٍ دَعَتْ إِلَيْهَا ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الْحَاجَةُ كَانَتِ الْهُدْنَةُ بَاقِيَةً إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أن يبتدىء بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ الْتِزَامًا لِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ عَقْدِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١]
[(مسألة)]
: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُهَادِنَ إِلَى غَيْرِ مُدَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى بَدَا لَهُ نَقْضُ الْهُدْنَةِ فجائز وإن كان قويا على العدو كم يُهَادِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الذين عاهدتم من المشركين} الْآيَةَ وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِصَفْوَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسِنِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لا أعلمه زاد أحد بَعْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُقَدَّرَةِ الْمُدَّةِ: إِذَا عُلِّقَتْ بِشَرْطٍ أَوْ عَلَى صِفَةٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ وَادَعَ يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ " وَيَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهَا إِذَا أراد نقضها وليست من عقود المعاوضات الَّتِي تُمْنَعُ الْجَهَالَةُ فِيهَا، وَإِذَا جَازَ إِطْلَاقُهَا بِغَيْرِ مُدَّةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، وَإِنْ قَالَهُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَهْلِ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى رَسُولِهِ مُرَادَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُ فَيَجُوزُ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى مشيئته، فيما يراه صلاحا كم استدامة الْهُدْنَةِ أَوْ نَقْضِهَا، فَإِنْ عَقَدَهَا عَلَى مَشِيئَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُتَحَكِّمِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ": وَإِنْ عَقَدَهَا الْإِمَامُ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَازَ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ فِي تَدْبِيرِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الْأَمَانَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
فَإِنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ صَحَّ وُقُوفُ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ أَخَلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ فَإِذَا انعقدت نظر:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.