مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] يَعْنِي: بِالصَّلَاةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَلَاةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج: ٤٠] وَالصَّلَاةُ لَا تُهْدَمُ وَإِنَّمَا يُهْدَمُ مَكَانُهَا، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَيْهِ كَانَ النَّهْيُ مَصْرُوفًا إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: {إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: ٤٣] وَالْعُبُورُ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْعُبُورُ عَلَى مَكَانِهَا فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: ٤٣] وَلَا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ {إِلا عَابِرِي سبيل} فَاسْتَثْنَى الِاجْتِيَازَ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: ٤٣] مُسَافِرًا عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ، وَيُصَلِّي فَيُحْمَلُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَآخِرُهَا عَلَى الِائْتِمَارِ، وَأَنْتُمْ حَمَلْتُمْ آخِرَ الْآيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَوَّلَهَا عَلَى الْمَجَازِ فَيَسْتَوِي التَّأْوِيلَانِ، وَيَتَقَابَلَان، وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ أَشْبَهَ بِالْحَالِ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قُلْنَا: إِذَا تَقَابَلَ التَّأْوِيلَانِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ وَاحْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، فَتَأْوِيلُنَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا حَمَلُوا إِضْمَارَ الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلِهَا لَمْ يَسْتَفِيدُوا بِالْآيَةِ إِلَّا إِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ الْمُتَيَمِّمِ، وَإِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ إِذَا تَيَمَّمَ مُسْتَفَادٌ بِآيَةٍ أُخْرَى، وَحَمْلُ الْآيَتَيْنِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ
وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ولا جنباً} الْجُنُبُ الَّذِي لَمْ يَسْتَبِحْ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وهو المستثنى منه، ويجب أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: {إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: ٤٣] الْمُرَادُ بِهِ جُنُبًا لَمْ يَسْتَبِحْ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، لِأَنَّهُ الِاسْتِثْنَاءُ فَكَانَ تَأْوِيلُنَا أَوْلَى بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنَ التَّرْجِيحِ
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: ٤٣] وَهَذَا مِمَّا لَا يُوصَفُ بِهِ الْمُجْتَازُ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الْمُصَلِّي قِيلَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ الْمُجْتَازُ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ إِذَا سَكِرَ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْهُ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ إِذَا دَخَلَهُ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ أَطْفَالَكُمْ وَمَحَارِيبَكُمْ "، لِأَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ الْبَوْلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ كَالسَّكْرَانِ الَّذِي رُبَّمَا نَجَّسَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ
ثُمَّ الدَّلِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ طريق المعنى: وهو أَنَّهُ مُكَلَّفٌ آمَنُ مِنْهُ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ فَجَازَ لَهُ الْعُبُورُ فِيهِ كَالْمُحْدِثِ، وَهَذَا خَيْرُ قِيَاسٍ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقَوْلُنَا: مُكَلَّفٌ احْتِرَازٌ مِنَ الصِّغَارِ، والمجانين
وقولنا: من منه تنجيس المسجد احترازاً مِنَ الْحَائِضِ، وَصَاحِبِ النَّجَاسَةِ فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.