مطلب: يجب اسْتِعْمَالُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَعَمِّهِمَا حُكْمًا وَأَكْثَرُهُمَا فَائِدَةً
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: {وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] يَقْتَضِي جَوَازَهُ مَعَ تَرْكِهَا لِوُقُوعِ اسْمِ الْمُغْتَسِلِ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: إذا كان قوله: {فَاطَّهَّرُوا} يَقْتَضِي تَطْهِيرَ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَعَمِّهِمَا حُكْمًا وَأَكْثَرُهُمَا فَائِدَةً, وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ بِهِمَا عَلَى أَخَصِّهِمَا حُكْمًا; إذْ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ; أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ يُسَمَّى مُغْتَسِلًا أَيْضًا؟ فَلَيْسَ فِي ذِكْرِهِ الِاغْتِسَالَ نَفْيٌ لِمُقْتَضَى قَوْلِهِ عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ عَنْ مَالِك بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا الْبَشَرَةَ". وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنْ النَّارِ" قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْنُ النَّضْرِ بْنِ بَحْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورٍ وَالْعُمَرِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا بَرَكَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "تَحْتَ كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" فَفِيهِ الدَّلَالَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا, أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَنْفَ فِيهِ شَعْرٌ وَبَشَرَةٌ وَالْفَمُ فِيهِ بَشَرَةٌ فَاقْتَضَى الْخَبَرُ وُجُوبَ غَسْلِهِمَا, وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَيْضًا يُوجِبُ غَسْلَ دَاخِلِ الْأَنْفِ لِأَنَّ فِيهِ شَعْرًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْعَيْنَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا شَعْرٌ. قِيلَ لَهُ: هُوَ شَاذٌّ نَادِرٌ, وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ, وَلَا حُكْمَ لِلشَّاذِّ النَّادِرِ فِيهَا; وَعَلَى أَنَّا خَصَّصْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ, وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي وَجْهِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ, وَالْعُمُومُ سَالِمٌ لَنَا فِيمَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةُ خُصُوصِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُدْخِلُ الْمَاءَ عَيْنَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ, وَقَدْ كَانَ مُصَعِّبًا عَلَى نَفْسِهِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ يَفْعَلُ فِيهَا ما لا يراه
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.