بَابُ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَاذِفِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى مَا قَذَفَهُ بِهِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا جَلْدُ ثَمَانِينَ، وَالثَّانِي بُطْلَانُ الشَّهَادَةِ، وَالثَّالِثُ: الْحُكْمُ بِتَفْسِيقِهِ إلَى أَنْ يَتُوبَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي لُزُومِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَهُ وَثُبُوتِهَا عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْقَذْفِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا، فَقَالَ قَائِلُونَ: "قَدْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَزِمَتْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ" وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ: "شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ يُحَدَّ" وَهَذَا يَقْتَضِي مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْسُومٍ بِسِمَةِ الْفِسْقِ مَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الْحَدُّ; لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَتْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ لَمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ; إذْ كَانَتْ سِمَةُ الْفِسْقِ مُبْطِلَةً لِشَهَادَةِ مَنْ وُسِمَ بِهَا إذَا كَانَ فِسْقُهُ مِنْ طَرِيقِ الْفِعْلِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّدَيُّنِ وَالِاعْتِقَادِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} فَأَوْجَبَ بُطْلَانَ شَهَادَتِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ قَذْفِهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرْبَانِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِ وَبَقَاءِ حُكْمِ عَدَالَتِهِ مَا لَمْ يَقَعْ الْحَدُّ بِهِ: أَحَدُهُمَا قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} وثم للتراخي في حقيقة اللغة فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف ان يكونوا غير فساق بالقذف لأنه قال: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الْآيَةَ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ فَإِنَّمَا حُكِمَ بِفِسْقِهِمْ مُتَرَاخِيًا عَنْ حَالِ الْقَذْفِ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الشُّهُودِ فَمَنْ حَكَمَ بِفِسْقِهِمْ بِنَفْسِ الْقَذْفِ فَقَدْ خَالَفَ حُكْمَ الْآيَةِ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ غَيْرَ مَرْدُودَةٍ لِأَجْلِ الْقَذْفِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ بِنَفْسِ الْقَذْفِ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ تَبْطُلُ بِنَفْسِ الْقَذْفِ لَمَا كَانَ تَرْكُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ مُبْطِلًا لِشَهَادَتِهِ وَهِيَ قَدْ بَطَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمَعْقُولَ من هذا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.