قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ خِلَافًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَالسَّيِّدُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسُودِ،
وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى
وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بَيِّنٌ وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَاضِحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالسُّؤْدَدِ، وَتَحَدُّثٌ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى [ (١٤) ] عَلَيْهِ وَإِعْلَامٌ لِأُمَّتِهِ وَأَهْلِ دَعْوَتِهِ، عُلُوَّ مَكَانِهِ عِنْدَ رَبِهِ وَمَحَلِّهِ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَاعْتِقَادِهِمْ لِطَاعَتِهِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَكَانَ بَيَانُ هَذَا لِأُمَّتِهِ وَإِظْهَارُهُ لَهُمْ مِنَ اللَّازِمِ لَهُ وَالْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ دُونَ نَفْسِهِ.
(وَالْوَجْهُ الْآخَرُ) : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَامًا مُطْلَقًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَضْمِ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةٌ مِنَ اللهِ وَخُصُوصِيَّةٌ مِنْهُ لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَلَا بَلَغْتُهَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي فَلَيْسَ لِي أَنِ افْتَخِرَ بِهَا، وَإِنَّمَا خَصَّ يُونُسَ بِالذِّكْرِ فِيمَا نَرَى وَاللهُ أَعْلَمُ [لِمَا قَدْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ شَأْنِهِ وَمَا كَانَ] [ (١٥) ] مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَخَرَجَ مُغَاضِبًا لَهُ وَلَمْ يَصْبِرْ كما صبر أولوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللهُ: وَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ وَأَشْبَهُهُمَا بمعنى
[ (١٤) ] من (أ) ، و (ك) .[ (١٥) ] ما بين الحاصرتين سقط من (أ) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.