وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ» ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ؟
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ لَهُ: هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَرَّهُ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمَهُ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ -: بِنَخْلٍ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ: أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنْ قَدْ أَحْسَنْت؟
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.