وَالْخُشُوعُ مِنْ كَمَالِ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: ١ - ٢] وَفِي قَوْلِهِ: " تَخَشُّعٌ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُشُوعٌ، فَيَتَكَلَّفُ وَيَطْلُبُ مِنْ نَفْسِهِ الْخُشُوعَ وَيَتَشَبَّهُ بِالْخَاشِعِينَ، (وَتَضَرُّعٌ) : أَيْ إِلَى اللَّهِ، فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: التَّضَرُّعُ التَّذَلُّلُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي السُّؤَالِ (وَتَمَسْكُنٌ) : وَهُوَ إِظْهَارُ الرَّجُلِ الْمَسْكَنَةَ مِنْ نَفْسِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مَعْنَاهُ طَلَبُ السُّكُونِ إِلَى اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوِ اطْمِئْنَانُهُ بِذِكْرِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ: " تَمَسْكُنٌ " مِنَ الْمِسْكِينِ مِفْعِيلٍ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ إِلَى النَّاسِ، وَزِيَادَةُ الْمِيمِ، فِي الْفِعْلِ شَاذٌّ، وَلَمْ يَرْوِهَا سِيبَوَيْهِ إِلَّا فِي هَذَا، وَفِي تَمَدْرَعَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ تَمَسْكَنَ مِنَ السَّكِينَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ (ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ) : مِنْ إِقْنَاعِ الْيَدَيْنِ رَفْعُهُمَا فِي الدُّعَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} [إبراهيم: ٤٣] ، أَيْ: تَرْفَعُ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَدَيْكَ لِلدُّعَاءِ فَعُطِفَ عَلَى مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا فَسَلِّمْ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ سَائِلًا حَاجَتَكَ، فَوُضِعَ الْخَبَرُ مَوْضِعَ الطَّلَبِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ جَعَلْتَهَا أَوَامِرَ وَعَطَفْتَ أَمْرًا عَلَى أَمْرٍ، وَقَطَعْتَ تَشَهُّدٌ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ وَالطَّلَبِ، لَكَانَ لَكَ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، قُلْتُ: حِينَئِذٍ خَرَجَ الْكَلَامُ الْفَصِيحُ إِلَى التَّعَاظُلِ فِي التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ تَوَارُدَ الْأَفْعَالِ تَعَاظُلٌ، وَنَقَلْنَا عَنْهُ فِي التِّبْيَانِ شَوَاهِدَ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَوْلُهُ: تَعَاظُلٌ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَعَظَّلُوا عَلَيْهِ اجْتَمَعُوا، وَيَوْمُ الْعُظَالَى كَحُبَارَى مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ رَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ؛ لِأَنَّهُ رَكِبَ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ دَابَّةً، (يَقُولُ) : أَيِ الرَّاوِي مَعْنَاهُ (تَرْفَعُهُمَا) ، أَيْ: لِطَلَبِ الْحَاجَةِ. وَقَوْلُهُ (إِلَى رَبِّكَ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تُقْنِعُ، وَقِيلَ: (يَقُولُ) فَاعِلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْفَعُهُمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ (مُسْتَقْبَلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ) ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الدُّعَاءُ اسْتِعَاذَةً (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْرِيرِ التَّكْثِيرُ (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الصَّلَاةِ (فَهُوَ) ، أَيْ: فَعَلَ صَلَاتَهُ (كَذَا وَكَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ صَلَاتَهُ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَعْنِي قَوْلَهُ: فَهُوَ خِدَاجٌ، (وَفِي رِوَايَةٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ أَبِي الْعَمْيَاءِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ (فَهُوَ خِدَاجٌ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: نَاقِصٌ فِي الْأَجْرِ وَالْفَضِيلَةِ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَهُوَ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَيْ: صَلَاتُهُ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَوْ وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ نَفْسِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ، وَفِي الْفَائِقِ: الْخِدَاجُ مَصْدَرُ خَدَجَتِ الْحَامِلُ إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ وَقْتِ النِّتَاجِ فَاسْتُعِيرَ، وَالْمَعْنَى ذَاتُ نُقْصَانٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً كَقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.