قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ اهـ، وَالسَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِسَلَامَتِهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ نَقْصٍ فِعْلِيٍّ فِيهِ، بِمَعْنَى (اللَّامِ) .
(السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ) : فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٌ، (السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ) : فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، لَكِنْ أَحَدُهَا وَهُوَ مِيكَالُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ هُنَا (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) ، أَيْ: عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْنِي: كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِوَضًا عَنِ التَّحِيَّاتِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أَيْ: فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمِعْرَاجِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : يَعْنِي: لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مَنِ انْصَرَفَ وَجَوَابٌ لِمَا " قَوْلُهُ " (قَالَ: " «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ» ") : لِأَنَّ مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكَ هُوَ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، أَيْ: سَلِمْتَ مِنَ الْمَكَارِهِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، أَيْ: هُوَ الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَ لِعِبَادِهِ، فَأَنَّى يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ؟ وَوَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ أَيِ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا غَيْرُكَ لِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ الدَّالِّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، أَيْ: حُصُولُهُ لَا مِنْ غَيْرِكَ، وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ، أَيْ: مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِكَ مِنَ السَّلَامِ، فَإِنَّمَا لَهُمْ صُورَةٌ، وَأَمَّا حَقَائِقُهُ فَرَاجِعَةٌ إِلَيْكِ، (فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ) : الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فَيَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَكَذَا قُعُودُهُ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَجَدَ لِتَرْكِهِ، وَأَمَّا قُعُودُهُ الْأَخَيْرُ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَنَا لِخَبَرِ إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا: إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنْ كُلًّا مِنْهُمَا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، فَضَعِيفٌ بِاخْتِلَافِهِمْ، (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ") ، أَيْ: دُونَ غَيْرِهِ، قِيلَ: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالتَّبْقِيَةِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ: الْمَلِكُ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّ الْمَلِكَ سَبَبُ تَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وَأَسْلِمْ، وَأَنْعِمْ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ وَجُمِعَتْ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْأَنْوَاعِ (" وَالصَّلَوَاتُ ") ، أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْعِبَادَاتُ أَيْ: هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْمَرْفُوعَةُ، أَوْ أَنْوَاعُ الرَّحْمَةِ، أَوِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ، (" وَالطَّيِّبَاتُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يُلَائَمُ وَيُسْتَلَذُّ بِهِ، وَقِيلَ: الْكَلِمَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْخَيْرِ: كَسَقَاهُ اللَّهُ وَرَعَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ الطَّاعَاتُ الْبَدَنِيَّةُ، وَالطَّيِّبَاتُ الْخَيْرَاتُ الْمَالِيَّةُ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ أَجْمَعُ الْأَقْوَالِ، قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى التَّحِيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفًا، وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالثَّانِيَةُ لِعِطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ اهـ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَيْنِ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْخَبَرُ فِيهِمَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ اللَّاحِقُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَحُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارًا، وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ رِوَايَةَ عُمَرَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِأَيِّهَا شَاءَ الْمُصَلِّي، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفِظَ الْكَلِمَةَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَبَعْضُهُمْ حَفِظَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ، وَكُلُّهُ ذِكْرٌ، وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ فِي الذِّكْرِ أَجْدَرَ اهـ.
وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا بِخِلَافِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ فِي الْمِنْبَرِ، وَيَعْلَمُهُ النَّاسُ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.