الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٧٧ - عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَرْبَعُ [رَكَعَاتٍ] قَبْلَ الظُّهْرِ، بَعْدَ الزَّوَالِ، تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ فِي صَلَاةِ السَّحَرِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ "، ثُمَّ قَرَأَ: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: ٤٨] » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١١٧٧ - (عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَرْبَعٌ ") ، أَيْ: مِنَ الرَّكَعَاتِ. (" قَبْلَ الظُّهْرِ، بَعْدَ الزَّوَالِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَبْلَ الظُّهْرِ صِفَةٌ لِأَرْبَعٍ، وَخَبَرُهُ (" تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ ") ، أَيِ: الْكَائِنُ (" فِي صَلَاةِ السَّحَرِ ") ، أَيْ: تُوَازِي أَرْبَعًا فِي الْفَجْرِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصَلِّي، أَيْ: بَعْدَ الزَّوَالِ سَائِرَ الْكَائِنَاتِ فِي الْخُضُوعِ وَالدُّخُورِ لِبَارِئِهَا، فَإِنَّ الشَّمْسَ أَعْلَى وَأَعْظَمُ مَنْظُورٍ فِي الْكَائِنَاتِ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا يَظْهَرُ هُبُوطُهَا وَانْحِطَاطُهَا، وَسَائِرُ مَا يَتَفَيَّأُ بِهَا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ. انْتَهَى. يَعْنِي: وَوَقْتَ الصُّبْحِ مُقَدِّمَةُ طُلُوعِهَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَطَرِيقُ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، قَالَ مَيْرَ بَادٍ شَاهْ: لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ حَمْلُ السَّحَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَتَشْبِيهُ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بِأَرْبَعٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُودًا بِمَزِيدِ الْفَضْلِ. انْتَهَى. يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُدُولَ إِنَّمَا هُوَ لِيَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى ; إِذْ لَيْسَ التَّهَجُّدُ أَفْضَلَ مِنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ السَّحَرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَيُوَجَّهُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَقْوَى بِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَشَقُّ وَأَتْعَبُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْسَنُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَعْدِلُ فِي الْفَضْلِ أَرْبَعًا مُمَاثِلَةً لَهُنَّ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاةِ السَّحَرِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْفَضْلِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالدَّلِيلِ عَلَى الْمُدَّعَى. (" وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ ") ، أَيْ: يُنَزِّهُهُ عَنِ الزَّوَالِ ; لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ (" تِلْكَ السَّاعَةَ ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ حِينَ زَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ كَمَالِ صُعُودِهَا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: يُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا خَاصًّا تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: ٤٤] الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الْآيَتَيْنِ بِلِسَانِ الْقَالِ وَالْحَالِ. (ثُمَّ قَرَأَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ عُمَرُ {يَتَفَيَّأُ} [النحل: ٤٨] بِالتَّذْكِيرِ، وَأَنَّثَهُ الْبَصْرِيُّ، أَيْ: يَتَمَيَّلُ وَيَدُورُ وَيَرْجِعُ {ظِلَالُهُ} [النحل: ٤٨] ، أَيْ ظِلَالُ كُلِّ شَيْءٍ {عَنِ الْيَمِينِ} [النحل: ٤٨] : أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ {وَالشَّمَائِلِ} [النحل: ٤٨] : فِيهِ تَفَنُّنٌ، أَيْ: يَمِينُ كُلِّ شَيْءٍ وَشَمَالِهِ {سُجَّدًا} [النحل: ٤٨] ، أَيْ: سَاجِدِينَ مُنْقَادِينَ {لِلَّهِ} [النحل: ٤٨] : حَالٌ {وَهُمْ} [النحل: ٤٨] ، أَيِ: الْخَلْقُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا مِنْ شَيْءٍ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْعُقَلَاءِ {دَاخِرُونَ} [النحل: ٤٨] ، أَيْ: صَاغِرُونَ أَذِلَّاءُ خَاضِعُونَ، حَالٌ أُخْرَى مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ، وَهِيَ أَوْلَى لِحُصُولِهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.