[٥٣] بَابٌ فِي الرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٥١١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
ضُبِطَ بِالسُّكُونِ عَلَى الْوَقْفِ، وَبِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فِي الرِّيَاحِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: (بَابُ الرِّيَاحِ) : بِالْإِضَافَةِ فَمَا ذُكِرَ فِيهِ مَعَهَا وَقَعَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، فَلِذَا لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ.
١٥١١ - (. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نُصِرْتُ) أَيْ: فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ. قَالَ تَعَالَى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: ٩] . (بِالصَّبَا) : مَقْصُورَةٌ، رِيحٌ شَرْقِيَّةٌ تَهُبُّ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّبَا الرِّيحُ الَّتِي تَجِيءُ مِنْ قِبَلَ ظَهْرِكَ إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ، وَالدَّبُورُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِكَ حَالَ الِاسْتِقْبَالِ أَيْضًا اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ، وَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، قِيلَ: هَذَا فِي دِيَارِ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَمَا فِي حُكْمِهِمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي قِبْلَتُهَا السَّمْتُ الْغَرْبِيُّ دُونَ دِيَارِ الرُّومِ وَالْعَرَبِ. (وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ) : بِفَتْحِ الدَّالِ رِيحٌ غَرْبِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ وَرَاءِ الْكَعْبَةِ بَارِدَةً رَطْبَةً، وَالْجَنُوبُ هِيَ الَّتِي تَهُبُّ عَنْ يَمِينِهَا، وَهِيَ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشَّمَالُ هِيَ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ شَمَالِهَا، وَهِيَ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَهِيَ رِيحُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْهِمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
رُوِيَ: أَنَّ الْأَحْزَابَ: وَهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ، لَمَّا حَاصَرُوا الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هَبَّتْ رِيحُ الصَّبَا، وَكَانَتْ شَدِيدَةً، فَقَلَعَتْ خِيَامَهُمْ، وَكَفَأَتْ قُدُورَهُمْ، وَضَرَبَتْ وُجُوهَهُمْ بِالْحَصَى وَالتُّرَابِ، وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ مَا كَادَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَزَلْزَلُوا أَقْدَامَهُمْ، وَأَحَاطُوا بِهِمْ حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ عَنْ آخِرِهِمْ، فَابْتَدَأَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بِالرَّحِيلِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَلَحِقُوهُ فِي أَثَرِهِ، فَلَمْ يَأْتِ الْفَجْرُ وَلَهُمْ ثَمَّةَ حِسٌّ وَلَا أَثَرٌ بَعْدَمَا حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مِنَ الْخَوْفِ وَسُوءِ الظُّنُونِ مَا أَنْبَأَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأحزاب: ١٠] الْآيَاتِ. وَكَانَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَمُعْجِزَةً لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْمُ عَادٍ كَانَتْ قَامَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي قَوْلٍ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِمُ الدَّبُورُ، وَأَلْقَتْهُمْ عَلَى الْأَرْضِ بِحَيْثُ انْدَقَّتْ رُءُوسُهُمْ وَانْشَقَّتْ بُطُونُهُمْ، وَخَرَجَتْ مِنْهُمْ أَحْشَاءُهُمْ، فَالرِّيحُ مَأْمُورَةٌ، تَجِيءُ تَارَةً لِنُصْرَةِ قَوْمٍ، وَتَارَةً لِإِهْلَاكِ قَوْمٍ، كَمَا أَنَّ النِّيلَ كَانَ مَاءً لِلْمَحْبُوبِينَ، وَدِمَاءً لِلْمَحْجُوبِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: ٦٩] وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: ٨١] فَفِي هَذَا كُلِّهِ إِظْهَارٌ لِلْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ، وَبَيَانُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ وَالْعَنَاصِرَ مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ الْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ رَدًّا عَلَى الطَّبِيعِيِّينَ وَالْحُكَمَاءِ الْمُتَفَلْسِفِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيْرَكُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.