٥٠١٢ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءٍ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزَنَ النَّاسُ " وَقَرَأَ الْآيَةَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: ٦٢] » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٠١٢ - (وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) أَيِ: الْكَامِلِينَ فِي الْإِيمَانِ الْعَامِلِينَ بِالْإِحْسَانِ (لَأُنَاسًا) أَيْ: جَمَاعَةً عَظِيمَةً مِنَ الْأَوْلِيَاءِ (مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءٍ وَلَا شُهَدَاءٍ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ) أَيْ: مِمَّنْ فَاتَهُمُ التَّزَاوُرُ، وَإِلَّا فَالتَّحَابُبُ وَالتَّجَالُسُ لِلَّهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَأُمَّتِهِ حَاصِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّحَابُبِ وَنَحْوِهِ وُجُودُ الْفِعْلِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنَ (وَالشُّهَدَاءُ) أَيْ: مِمَّنْ فَاتَهُمُ الْمُجَالَسَةُ وَنَحْوُهَا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ) أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَحَابِّينَ وَمَكَانَتِهِمْ وَمَرْتَبَتِهِمُ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِ (مِنَ اللَّهِ) . أَيْ: مِنْ قُرْبِهِ سُبْحَانَهُ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُخْبِرُنَا) : بِهَمْزَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْأَدَبِ أَوْ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِمَعْنَى الِالْتِمَاسِ، أَيْ: أَخْبِرْنَا (مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا) : اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ التَّجَالُسِ وَالتَّزَاوُرِ وَالتَّبَادُلِ فَرْعُ التَّحَابُبِ، وَالْمَعْنَى تَحَابَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (بِرُوحِ اللَّهِ) ، بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ مَا يَحْيَا بِهِ الْخَلْقُ، وَيَكُونُ حَيَاةً لَهُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا، فَفِي النِّهَايَةِ: الرَّوْحُ بِفَتْحِ الرَّاءِ نَسِيمُ الرِّيحِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَوْ بِنَفْخَةٍ مِنْ نَفَخَاتِهِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَيْ: لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَمْ تَحْصُلْ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا تُوجَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ; لِأَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى جَذْبَةٍ مِنْ جَذَبَاتِ الْحَقِّ تُوَازِي عَمَلَ الثَّقَلَيْنِ، وَالتَّحَابُبُ سَبَبُ التَّجَاذُبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الضَّمِّ فَقَالَ الْقَاضِي: الرُّوحُ بِضَمِّ الرَّاءِ، قِيلَ أَرَادَ بِهِ هُنَا الْقُرْآنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: ٥٢] سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ الْقَلْبُ، كَمَا يَحْيَا بِالرُّوحِ الْبَدَنُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَتَحَابُّونَ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ وَمُتَابِعَةِ الْقُرْآنِ، وَمَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُوَالَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَمُصَادَقَتِهِمُ اهـ.
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ النَّسَبَ الدَّاعِيَ إِلَى تَحَابُبِهِمْ هُوَ الْوَحْيُ الْمُنَزَّلُ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ لَا شَيْءَ آخَرَ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الرُّوحِ الْمَحَبَّةُ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَنْتَ رُوحِي أَيْ: مَحْبُوبِي كَالرُّوحِ أَيْ: تَحَابُّوا بِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: ١٧] فَبَعِيدٌ جِدًّا إِذِ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، وَسُمِّي رُوحًا ; لِأَنَّ الدِّينَ يَحْيَا بِهِ وَوَحْيُهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.