وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتِصَاصِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحِمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى الشَّوْكَةُ يَشَاكُهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ذَنْبًا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ هَذِهِ وَتَعْقِيبُهَا بِقَوْلِهِ (مَرْحُومَةٌ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ تَمْيِيزِهِمْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحِمَتِهِ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَفْهُومِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: ١٥٦] ، إِلَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف: ١٥٧] ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنْ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ أَنَّ رَحْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ، وَإِمَّا بِعَفْوِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ، وَهَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَمَبْنَاهِ، وَلَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُخْتَلِفِ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَهْجُورٌ، بَلِ الْمُرَادُ بِمَفْهُومِهِ فِي كَلَامِ الْمُظْهِرِ الْمَعْلُومِ فِي الْعِبَارَةِ، ثُمَّ قَوْلِ الطِّيبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ وَهِيَ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ بِالْبَلِيَّةِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ وُقُوعِ عَذَابِهَا بِهَا غَالِبًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ.
وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ، إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ، وَالْبَلَايَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبِيهَقِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ: «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا مُتَابٌ عَلَيْهَا» ، أَيْ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَلَا يَتْرُكُهَا مُصِرَّةً عَلَى الذُّنُوبِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ خَوَاصُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.