ومن حرص القائد على جنده أن يحافظ عليهم وألا يوردهم موارد الهلكة , وأن يتخذ لكل أمر عدته حتى لا يزج بجيشه فيما يغلب فيه الهلاك.
فعن أنس أن عمر سأله: إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال:"نبعث الرجل إلى المدينة، ونصنع له هيئة من جلود، قال: أرأيت إن رمى بحجر؟ قال: إذن يقتل، قال: فلا تعقلوا فوالذي نفسي بيده ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم ". (١) .
وروى زيد بن وهب قال: خرج عمر ويداه في أذنيه وهو يقول: يا لبيكاه.. يا لبيكاه.. قال الناس: ماله؟ قال: جاءه بريد من بعض أمرائه أن نهرًا حال بينهم وبين العبور، ولم يجدوا سفنًا، فقال: أميرهم: اطلبوا لنا رجلًا يعلم غور الماء فأتى شيخ , فقال: إني أخاف البرد ـ وذلك في البرد ـ فأكرهه فأدخله الماء، فلم يلبثه البرد فجعل ينادي: يا عمراه يا عمراه.. فغرق، فكتب عمر، إلى القائد فأقبل، فمكث أيامًا معرضًا عنه، وكان إذا وجد على أحد أعرض عنه، ثم قال: ما فعل الرجل الذي قتلته؟ قال: يا أمير المؤمنين ما تعمدت قتله، لم نجد شيئًا نعبر فيه، وأردنا أن نعلم غور الماء ففتحنا كذا.. وكذا.. وأصبنا كذا وكذا.. فقال عمر:"لرجل مسلم أحب إلي من كل شيء جئتَ به". (٢) .
ـ ومن رفق القائد بجنده ألا يحبس جنديًّا عن أهله أكثر من أربعة أشهر , ولقد اتخذ عمر هذا الموقف لما سمع امرأة ذات ليلة تنشد:
تطاول هذا الليل وازور جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لززع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فسأل عمر النساء: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفذ الصبر. فكتب إلى أمراء الأجناد: لا تحبسوا رجلًا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (٣)