ـ الصبر والمصابرة والثبات وعدم الفرار:
وهذه من الأخلاق التي لا غنى عنها لدى المجاهدين؛ لأنهم يواجهون عدوًّا قد يكون أكثر عددًا وأقوى , من أجل ذلك كان الأمر الصريح بهذه الأخلاق في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (١) .
بل إن الإسلام يعد نفاد الصبر والتولي يوم الزحف من الموبقات التي يحذر منها , فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) متفق عليه.
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لما نزلت: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الآية فكتب أن لا تفر مائة من مائتين [رواه البخاري وأبو داود] .
وعن ابن عمر قال: " كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاص الناس صيصة (٢) . وكنت ممن صاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل الصلاة الغداة، فخرج فقال: ((من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون. قال: بل أنتم العكارون (٣) أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: "فأتيناه حتى قبلنا يدهط)) [رواه أحمد وأبو داود] (٤) .
وهذا الشعور من هؤلاء يدل على أن خلق الثبات والصبر وعدم الفرار صار من أخلاق المجاهدين من أصحاب النبي رضوان الله عليهم.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي بالصبر والمصابرة فكتب إليه أبو عبيدة بن الجراح يذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجًا، وأنه لن يغلب عسر يسرين، وأن الله يقول في كتابه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
وقال عمر: "إذا لقيتم فلا تفروا ". (٥) .
وكتب إلى عامل له: ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف، والنهي (٦) .
ولكن لا يعد من الفرار التحيز إلى فئة، والذي ذكر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا فئتكم)) ، فإذا وجد القائد أو المجاهد أن الانسحاب إلى مكان آخر لمعاودة القتال بصورة أحسن وأقوى فليس هذا من الفرار، وهذا يمثل الاستثناء المذكور في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (٧) .
وقد استعمل عمر رضي الله عنه أبا عبيد الثقفي على جيش، فخاض معركة غير متكافئة مع العدو، وظن أن انسحابه منها هو الفرار من الزحف، فاستمر فيها، فقتل هو وجيشه في أرض فارس، فقال عمر: رحم الله أبا عبيد، لو كان تحيز إلي لكنت له فئة. (٨) وقبل ذلك فعل خالد بن الوليد يوم مؤتة فلم يعده الرسول صلى الله عليه وسلم فارًّا من الزحف.
ـ الظهور بالقوة مع عدم الغرور: وذلك لإرهاب أعداء الله:
فعن جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من الغيرة ما يحب الله , ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله , فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، والخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في الفخر والبغي)) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي] (٩) .
فإذا كان الاختيال لتحقيق الرهبة، عند العدو وتنشيط المجاهدين فهذا من الخلق المطلوب في الجهاد، ومنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة رضي الله عنه لما رآه يختال عند القتال: ((إن هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن)) (١٠) .
(١) سورة آل عمران: الآية ٢٠٠
(٢) أي حادوا حيدة
(٣) إذا حاد الإنسان عن الحرب، ثم عاد إليها يقال قد عكر، وهو عاكر وعكار ـ انظر: القاموس مادة عكر؛ ونيل الأوطار: ٨/ ٨٠
(٤) الموطأ: ٢/ ٤٤٦
(٥) المحلى: ٧/ ٢٩٤، وموسوعة فقه عمر: ص ٢٣٤
(٦) سنن البيهقي: ٣/ ١٦٩
(٧) سورة الأنفال الآيتان ١٥، و ١٦
(٨) مصنف عبد الرزاق: ٥/ ٢٥١؛ والمغني: ٨/ ٤٨٥؛ وموسوعة فقه عمر: ص ٢٣٥
(٩) نيل الأوطار: ٨/ ٦٨
(١٠) نيل الاوطار: ٨/ ٦٨