ومع النصر ومع الشكر كان التوجيه القرآني الكريم الذي يعينهم على محاسبة النفس فكشف القرآن الكريم لهم ما كانوا يودونه من الحصول على أموالهم التي أخذها المشركون في مكة قبل الهجرة , والأَوْلَى أن يجردوا خروجهم لكي يكون إعلاء لكلمة الله فحسب، وإحقاق الحق، وقطع دابر الكافرين، قال تعالى:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}(١) .
وكان التوجيه لهم كذلك بعد المعركة في تقسيم الأنفال، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:((خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يطاردون ويقتلون , وأكبت طائفة على الغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحق بها منا.. نحن نحينا منها العدو وهزمناه. وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه عثرة فاشتغلنا به. فأنزل الله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، فقسمها رسول الله بين المسلمين)) (٢) .
وفي الموقف من الأسرى ((استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًا فقال أبو بكر: يا رسول الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة، والإخوان, وأني أرى أن تأخذ منهم الفدية , فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأي أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان ـ أخيه ـ فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولهم يهو ما قلت , وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان, فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة ـ شجرة قريبة ـ وأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} )) (٣) .
فكانت المحاسبة التي تدعو إلى معاقبة هؤلاء الكفار على أنهم مجرمو حرب لهم من الجرائم ما يستوجب القتل، وليس الفداء.
(١) سورة الأنفال: الآية ٧ (٢) حديث صحيح أخرجه أحمد والحاكم، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وانظر فقه السيرة، للأستاذ الغزالي: ص ٢٥٢ (٣) سورة الأنفال: الآيتان ٦٧، و ٦٨ والحديث صحيح أخرجه مسلم وأحمد والبيهقي من حديث عمر ـ وانظر فقه السيرة، للغزالي: ص ٢٥٤