وأما أُحد فإن حدوث الإنكار نتيجة المخالفة من الرماة مع ما كان من موقف المنافين جعل المحاسبة مع التماسك النفسي يؤدي إلى معالجة الأمر والنهوض من الكبوة، وعالج القرآن الكريم كذلك هذه الكبوة بما يعينهم على النهوض والانتفاع مما وقع بهم فكان قوله تعالى في ذلك: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (١) .
وكان ذلك بيانًا لما وقع من الرماة.
وقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (٢)
, فكان مسحًا للأحزان ودفعًا إلى الأمام.
وقال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (٣) .
ولما عجب المسلمون للكارثة وقد كانوا متقومين كان التنبيه على ما بدر من بعضهم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (٤) .
ولذلك بعد أن حدث ما حدث من انكسار رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد تنظيم رجاله على عجل وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد يخرج في أعقاب قريش ليطاردها ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها , فكانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا "حمراء الأسد".
وعسكر المسلمون بحمراء الأسد وفكر المشركون في القتال، ولكنهم آثروا النجاة بأنفسهم وعادوا إلى مكة، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها أرفع رؤوسًا وأعز جانبًا (٥) .
ونزلت الآيات الكريمة: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (٦) .
(١) سورة آل عمران: الآية ١٥٢
(٢) سورة آل عمران: الآيات ١٣٧ ـ ١٣٩
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٤٠
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٦٥
(٥) انظر تفصيل ذلك في فقه السيرة، للغزالي: ٢٩١، و ٢٩٢
(٦) سورة آل عمران: الآيات ١٧٢ ـ ١٧٤