وقال تعالى في بيان هذه القسمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (١) .
فخمس الغنيمة يصرف على المصارف التي ذكرت في الآية الكريمة وهي: الله ورسوله وذو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
فذكر الله سبحانه وتعالى في بيان المصارف تنبيه إلى أن ما يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون له ولغيره من الأمة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يؤثر أمته ـ دائمًا ـ ويتضح هذا المعنى من حديث النبي صلى الله عليه وسلم والذي رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة قال: "صلى بنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: ((لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم)) . ومعنى الرد فيهم أن ينفق منه على الفقراء وفي الإعداد للجهاد. فهذا مصير الخمس في الأصناف المذكورة. وأما الأربعة الأخماس الباقية فتعطى للجيش.
ويشترك في العطاء الجميع القوي منهم والضعيف، روى أحمد رحمه الله عن سعد بن مالك قال: " قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، ويكون سهمه وسهم غيره سواء. قال: ((ثكلتك أمك ابن أم سعيد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) .
ولكن يبقى للأمير أن يقدر من بذل جهدًا أكبر , فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل - أي الذي قاتل على رجليه - سهمًا. (٢) .
كما أن مَنْ غيبه الأمير في مصلحة كالبريد وغيره وإن لم يحضر الواقعة يستوي مع الحاضرين. فعن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يعني يوم بدر فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله , وأنا أبايع له فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره)) [رواه أبو داود] .
وعن ابن عمر قال: ((لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لك أجر رجل وسهم)) [رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه] (٣) .
كما يجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش ببعض الغنيمة إذا كان له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره (٤) .
فعن سعد بن أبي وقاص قال: ((جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف ليس لي ولا لك , فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلائي , فبينا أن إذ جاءني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أجب، فظننت أنه نزل في شيء بكلامي , فجئت, فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله جعله لي فهو لك , ثم قرأ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلى آخر الآية)) [رواه أحمد وأبو داود] (٥) .
وفي الوقت الذي تكون الغنيمة بهذا التقسيم العادل والذي يسع الجميع يأتي التحذير من الغلول وهو السرقة من الغنيمة , قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (٦) .
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: ((كان على ثقل ـ أي متاع ـ النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها)) (٧) .
(١) سورة الأنفال: الآية ٤١
(٢) انظر فقه السنة: ٢/ ٦٧٨؛ وانظر نيل الأوطار للشوكاني: ٨/ ١١٥
(٣) نيل الأوطار: ٨/ ١١٩
(٤) نيل الأوطار: ٨/ ١٠٦
(٥) نيل الأوطار: ٨/ ١٠٥
(٦) سورة آل عمران: الآية ١٦١
(٧) نيل الأوطار: ٨/ ١٣٦