الأسارى:
من الغنائم التي تكون كذلك بعد الحرب أن يقع في يد المجاهدين أسرى من المقاتلين أحياء.
وقد يكون من هؤلاء الأسرى النساء والصبيان.
فأما الرجال المقاتلون فإن الحاكم له الحق في أن يتصرف معهم بما يكون أولى بالحق وأنفع، فله أن يمن أو الفداء أو القتل والمن أن يطلق سراحهم بلا مقابل. والفداء يكون بالمقابل، وقد يكون المقابل مالًا وقد يكون تبادلًا بالأسرى المسلمين.
قال تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (١) .
وقد من الرسول صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح , وقال لهم: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) .
وروى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق سراح الذين أخذهم أسرى، وكان عددهم ثمانين، وكانوا قد هبطوا عليه وعلى أصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم وفي هذا نزل قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} )) (٢) .
وقد راعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يقدمه بعض الأسرى من أعمال نافعة ومفيدة فعندما بعث أبا موسى الأشعري في بعض الغزوات فأصاب سبيًا قال عمر: "خلوا سبيل كل أكار وزراع" (٣) .
وأما شواهد الفداء العملية، فقد ((فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل)) [رواه أحمد والترمذي وصححه] .
ومعنى ذلك أن الفداء قد يكون بالمال وقد يكون بغيره ـ أيضًا ـ.
وأما القتل فإنه من حق الحاكم باعتبار القتل عقوبة يستحقها مجرمو الحروب الذين لا يناسبهم المن ولا الفداء , وقد قتل النضر بن الحارث وعقبة بن معيط يوم بدر، وقتل أبو عزة الجمحي يوم أحد (٤) وفي هذا يقول الله سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (٥) .
(١) سورة محمد: الآية ٤
(٢) الفتح: ٢٤، وانظر نيل الأوطار: ٨/ ١٤٠
(٣) الأموال: ص ١٣٦، وانظر موسوعة فقه عمر: ص ٧٤
(٤) انظر فقه السنة: ٢/ ٦٨٦
(٥) سورة الأنفال: الآيتان ٦٧ و ٦٨