هذا ما يخص الرجال المقاتلين وأما النساء والصبيان فليس عليهم القتل الذي يمكن أن يكون وجهًا من الوجوه مع مجرمي الحرب.
فقد جاء في الصحاح في شأن أسرى غزوة بني المصطلق ـ وكان من بينهم جويرية بنت الحارث ـ أن أباها الحارث بن أبي ضرار حضر إلى المدينة ومعه كثير من الإبل ليفتدي بها ابنته، وفي ودي العقيق، قبل المدينة بأميال، أخفى اثنين من الجمال أعجباه في شعب بالجبيل، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها. فقال عليه الصلاة والسلام:((فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا؟)) فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله. وأسلم الحارث وابنان له، وأسلمت ابنته أيضًا، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها وتزوجها، فقال الناس: لقد أصبح هؤلاء الأسرى بأيدينا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنوا عليهم بغير فداء.
وتقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ معلقة على هذا الموقف:
"فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية، إذ بتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم إياها أعتق مائة من أهل بيت بني المصطلق".
كما يعلق الأستاذ سيد سابق على هذا بقوله:
"ولمثل هذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من جويرية، لا لشهوة يقضيها، بل لمصلحة شرعية يبتغيها، ولو كان يبغي الشهوة لأخذها أسيرة حرب بملك اليمين". (١) .
وإذا كانت الحروب تتمخض عن وقوع أسرى لدى كل فريق من المتحاربين , فإننا رأينا كيف تكون المعاملة الرقيقة الإنسانية الحانية من الإسلام نحو الأساري رجالًا ونساء وذرية، وينص على ذلك في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى مبينا على من يكرمهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (٢) .
وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((فكوا العاني (والعاني هو الأسير) وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) .