للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

الأرض:

وأما القسم الثالث من الغنائم والذي يتمثل في الأرض التي تؤخذ نتيجة الحرب والقتال فإن الإمام مخير فيها بين أمرين:

الأول: أن يقسمها على المجاهدين.

الثاني: أن تصبح وقفا على المسلمين.

وإذا اختار الحالة الثانية فإنه يضرب على الأرض خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي في يده سواء أكان مسلمًا أو ذميًّا، ويؤخذ هذا الخراج (الأجرة) كل عام ويقدر الخراج اجتهادًا بما يناسب المكان والزمان.

وأصل الأمرين السابقين ما كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر حيث قسمت من المجاهدين بعد أحد ضمها لله وله (١) . عملًا بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} فهذه آية الغنيمة.

وما كان من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عملًا بقوله تعالى: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} وهذه آية الفيء.

ولذلك فإن عمر تأول الآية حين ذكر الأموال وأصنافها فقال: استوعبت هذه الآية الناس.

روى أبو عبيدة في الأموال أن عمر بن الخطاب قدم الجابية فأراد قسمة الأرض بين المسلمين , فقال له معاذ: والله ليكونن ما تكره، إنك لو قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًّا، وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم، فصار عمر إلى قول معاذ (٢) .

وذكر أبو يوسف في الخراج أن الذي اشار على عمر بترك قسمة أراضي العراق والشام هو عبد الرحمن بن عوف (٣) .

ولا يمنع أن يكون الصحابيان قد أشارا بهذا الرأي السديد والمفيد وأخذ بقوليهما عمر، وهذا دليل على اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم وتحريهم ما ينفع المسلمين في كل عصر، وقد دربهم الرسول الكريم وعلمهم ذلك.

وكتب عمر بذلك إلى سعد بن أبي وقاص: انظر ما جلب عليك إلى العسكر من كرائم أو مال فأقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها فيكون ذلك من أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لم نبقي بعدهم شيء. (٤) .

ووقف عمر جميع الأراضي التي فتحت عنوة، الشام والعراق، ومصر، وسائر ما فتحه، وقال: "لولا آخر الناس لقسمت الأراضي كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ". (٥)

واجتهاد عمر والصحابة ـ في هذا الموقف ـ قائم على مراعاة المصلحة وتغير بعض الظروف، وظل مراعيًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فقد ثبت أنه جمع مع هذا الوقف استطابة نفوس القائمين باعتبار أن هذا حقهم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر.


(١) سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٤٩
(٢) الأموال: ص ٥٩؛ والمغني: ٢/ ٧١٦، وموسوعة فقه عمر: ص ٦٢
(٣) خراج أبي يوسف: ص ٢٦
(٤) خراج يحيى: ص ٤٨؛ وسنن البيهقي: ٩/ ١٣٤؛ وموسوعة فقه عمر: ص ٦٢
(٥) المغني: ٢/ ٧١٨؛ وسنن البيهقي: ٩/ ١٣٨؛ وموسوعة فقه عمر: ص ٦٣

<<  <  ج: ص:  >  >>