للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذهب إلى هذا جماعة منهم ابن حزم فقالوا: إن عمر لم يوقف هذه الأرض إلا بعد أن استطاب نفوس القائمين وأرضاهم، واستدلوا على ذلك بأن جرير بن عبد الله البجلي لما قدم على عمر من قومه يريد الشام وجهه عمر إلى الكوفة بعد مقتل أبي عبيدة، وقال له: هل لك في الكوفة، وانفلك الثلث بعد الخمس، من كل أرض أو شيء؟ قال: نعم، فبعثه. (١)

وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية، فجعل عمر لهم ربع السواد، فأخذوه سنتين أو ثلاثا , فوفد عمار بن ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله البجلي , فقال عمر لجرير: يا جرير، لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما جعل لكم، وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم، ففعل جرير ذلك، فأجازه عمر بثمانين دينارًا (٢) .

وقالت أم كرز البجلية: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد، وإني لن أسلم، فقال لها عمر: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. فقالت: إن كانوا صنعوا ـ أي سلموا أراضيهم ـ فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهبًا، ففعل عمر، فكان الذهب الذي أعطاها نحوا من ثمانين دينارا. (٣) .

قال ابن حزم: فهذا أصح ما جاء عن عمر في ذلك، وهو قولنا، فإنه لم يوقف حتى استطاب نفوس القائمين وورثة من مات منهم (٤) .

وعلى ذلك يكون عمر قد جمع بين الدليلين، ولا يهتم بمخالفته لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بل روى الإمام أحمد في مسنده وذكر ابن حزم في المحلى رجوع عمر بن الخطاب عن هذا التصرف ـ وهو إيقاف الأراضي ـ وأنه قال: لو عشت إلى هذا العام المقبل، لا تفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر (٥) .

فهذا ما كان من الحكم في الأرض التي تؤخذ أثناء الحرب أو بعده، وأما ما يتبع الآن استرشادا بما ذكر من أحكام فإن المجاهدين يحصلون في البلدان الإسلامية على رواتب ثابتة سواء حاربوا أم لم يحاربوا، وعلى ذلك فإن الغنيمة تدخل بيت المال لتجد طريقها إلى الإنفاق العام على الأمة كلها.


(١) الأموال: ٦٢؛ والمحلى: ٧/ ٣٤١؛ والمغني: ٨/ ٣٧٩؛ وموسوعة فقه عمر: ص ٦٣
(٢) أموال أبي عبيدة: ص ٦١؛ وخراج يحيى: ص ٤٥؛ والمحلى: ٧/ ٣٤٤؛ وسنن البيهقي: ٩/ ١٣٥
(٣) الأموال: ص ٦١؛ وسنن البيهقي: ٩/ ١٩٥؛ وموسوعة فقه عمر: ص ٦٤
(٤) المحلى: ٧/ ٣٤٤
(٥) مسند أحمد: ١ /٣١؛ والمحلى: ٧/ ٣٤٣

<<  <  ج: ص:  >  >>