للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى ذلك نقول: "إن الأسس التي جعلها الله تعالى في العلاقة بين الإنسان وغيره لا تمثل كما يزعم المغرضون "تكوين عنصرية جديدة تقوم على أساس العقيدة" ولكن تحقيق مفهوم الوحدة الحقيقية بين المؤمنين يأتي ثمرة طبيعية لاستجابة المؤمنين وليست تكوينًا عنصريًّا، وتتجه الأمة المؤمنة نحو غيرها من الجماعات البشرية الأخرى لتحقق معها علاقات يؤسسها الإسلام على ما يلي: "أسس العلاقات بين الجماعات البشرية".

١ ـ التذكير بالأصل الواحد الذي يرجع إليه البشر جميعا، فعلى الرغم من وجود هذه الحقيقة إلا أن الناس تطغى عليهم نزعات كثيرة نفعية تنسيهم هذا الأصل، ويتعاملون بمنطق العداوة والبغضاء، ولذلك فإن الإسلام يُذكر الناس بأنهم لآدم: ((كلكم بنو آدم وآدم من تراب)) (١) .

ويأتي هذا التذكير مقرونًا بما يجعله تذكيرًا مؤثرًا إيجابيًّا فيصحب بالأمر بتقوى الله التي هي جماع كل خير فيقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالا كَثِيرا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا} (٢) .

فالخطاب ـ هنا ـ للناس جميعًا أن يتقوا الله، وتكرار التقوى مع ما يتبع الأمر بها في الموضعين له دلالة أخرى في أنه لن يستطيع هذا الإنسان أن يفيد من هذا التذكير بالانتماء إلى الأصل الواحد إلا إذا حقق هذه القيمة في نفسه واستجاب لهدي ربه.

فالتذكير الأول بالخلق بنفس واحدة، ومنها ليس بعيدا عنها كان الخلق لزوجها، تأكيدًا لوحدة الأصل، منهما كان البعث والانتشار. ولما كان هذا الانتشار نقيض التفرق المكاني في أرض الله الواسعة كان الأمر الثاني والذي سبق أيضا بتقوى الله أن تبقى الناس قطيعة الأرحام، ويجعل الإسلام صلة الرحم من الفرائض التي لا غنى للمجتمع عنها فيبشر الواصلين لأرحامهم بالوصل من الله لهم، ويحذر من القطيعة ويعدها فسادًا في الأرض قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (٣) .


(١) أخرجه البزار في مسنده كتاب الأدب باب التفاخر ـ كشف الأستار للهيثمي: ٢/ ٤٣٤ و ٤٣٥
(٢) سورة النساء: الآية ١
(٣) سورة محمد: الآيتان ٢٢ و ٢٣

<<  <  ج: ص:  >  >>