إذا كان الإنسان اجتماعيًّا بفطرته ولا يستطيع العيش وحده، فإن الجماعات البشرية التي تأخذ مسميات تدل على حجم كل جماعة من بطن وعشيرة وقبيلة ودولة؛ لا تستطيع كذلك العيش دون روابط تلتقي بها وتتبادل المنافع فيما بينها، فهذه سنة الله في خلقه، ولترشيد هذه العلاقات بين الأفراد والجماعات كانت التوجيهات والأحكام المفصلة في وحي الله لتكون الروابط قوية ولتتكامل المنافع في أحسن صورة.
ولهذا وجدنا عناية الإسلام بالأمة التي استجابت لوحي ربها، وأسلمت وجهها له تصل بالأمة إلى تحقيق الوحدة العضوية التي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق تعبير في قوله:((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) (١) .
وقامت هذه الوحدة العضوية على الأسس الآتية:
ـ الأخوة في الله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .
وهي أخوة أقوى من أخوة النسب.
ـ ما يصحب هذه الأخوة من حقوق ومظاهر منها الحب في الله، ومنها التراحم والتكافل والتكامل الذي يحقق وحدة الأمة في أحسن صورها:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}(٢) .
وكما جاء في وصفها:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(٣) .
(١) متفق عليه واللفظ لمسلم , وعند البخاري بلفظ: " ترى المؤمنين.." أخرجه البخاري في كتب الأدب باب رحمة الناس والبهائم: ١٠/ ٤٣٨؛ ومسلم في كتاب البر والصلة والأدب باب تراحم المؤمنين، وتعاطفهم وتعاضدهم (٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٢، والمؤمنون: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (٣) سورة الفتح: الآية ٢٩