وبينما تاه أصحاب القانون المدني في تكييف الوديعة المصرفية قرونا قبل أن يصلوا إلى حقيقة كونها قرضا كما هو معروف الآن، فقد كان فقهاء الإسلام قادرين من بداية الطريق على وضع الأمور في نصابها حتى قبل أن تأتي حفظ الحاجة، حيث لم يعرفوا الشكل التطبيقي للوديعة المصرفية في أرباحهم.
ولكنهم عرفوا أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. هذا هو التكييف الفقهي الذي تعتمده البنوك الإسلامية للوديعة في الحسابات الجارية.
وبينما يسلم الباحثون بهذا المفهوم المتفق عليه بالنسبة للتكييف الفقهي في الوديعة المأذون بالتصرف فيها، فإن الباحث الدكتور حسين كامل فهمي يرى من بحثه المقدم لهذه الدورة (ضرورة إعادة النظر في التكييف الفقهي المعمول به حاليا للحسابات الجارية في البنوك الإسلامية لتعود الوديعة إلى المفهوم الفقهي للوديعة، حيث يصطلح لذلك بقوله (الوديعة بمفهومها الشرعي) . وهو يعتبر أن الوديعة المصرفية بهذا المفهوم تصبح وديعة لدى كل من البنك الإسلامي والبنك المركزي في نفس الوقت مع الإذن للبنك المركزي فقط باستخدامها.
ورأي الباحث –مع الاحترام لحق الزمالة في العمل والمجالسة مع أهل العلم- فيه تناقض بين. فإذا كان يريد الوديعة بمفهومها الفقهي على أنها توكيل بالحفظ فليس محلها القيد بالحساب الجاري وإنما يجب حفظ الأوراق النقدية المودعة بذاتها كما كان بفعل أجدادنا وجداتنا بعقد الصرة على دراهم الأمانة لتعاد بذاتها؛ لأن هذا مفهوم الإيداع بمعنى الحفظ الأمين.
كما أن البحث نفسه يمنع البنك الإسلامي من استخدام الوديعة ويلزمه بالاحتفاظ باحتياطي ١٠٠ % من أرصدة الحسابات الجارية بينما يسمح للبنك المركزي فقط باستخدام هذه الأموال. وإن مجرد السماح بالاستخدام يفقد الوديعة الوصف الفقهي كتوكيل بحفظ المال وينقلها إلى عقد جديد هو عقد القرض فيكون الباحث بذلك قد رجع إلى نفس الباب الذي أراد أن يخرج منه.
فأرجو أن يراجع هذه المسألة في بحثه على ضوء ما ذكره وجزاه الله خيرا بما حاول في الاجتهاد.