أورد الباحث الدكتور الكبيسي قول المالكية حول جواز كون المرهون دينا، وقول الجمهور بكون المرهون مالا متقوما. وكلاهما لا يناقض الواقع المصرفي حيث إن الديون في الحسابات المصرفية الجارية والاستثمارية هي ديون نقدية حالا أو مآلا، وهي حقوق مميزة لكل صاحب حساب صفحة خاصة به أو رقم في الكمبيوتر. والرهن ممكن عمليا في كل الأحوال.
أما الباحث حجة الإسلام التسخيري فإنه يقرر أن الظاهر عدم الجواز، حيث يقول: إن الرهن يشترط فيه أن يكون عينا كما يشترط فيه القبض من المرتهن. ولكن مع هذا التصريح فقد نقل في بحثه ما ذكره المرحوم الشهيد الثاني بأن لا مانع من صحة الرهن على القول بعدم اشتراط القبض. وما ذكره كذلك العلامة في (التذكرة) على هذا التفصيل. ثم عاد وانتهى الباحث الكريم بنتيجة إيجابية مشروطة بقوله: وهناك مجال لتصور الرهن إذا لم تشترط العينية والقبض. وأن الحال أظهر بالنسبة للبنك إذا كان هو المرتهن.
سادسا: استثمار الودائع المصرفية والتصرف والإيداع.
اتفق الباحثون على مبدأ استثمار الودائع المصرفية على أساس الخلط بطريق الاستثمار المشترك, عدا ما يراه
الباحث الدكتور حسين فهمي من ناحية عدم جواز ذلك في نظره. وإن الاستثمار يكون بالصناديق المخصصة حيث يتجمع المستثمرون ليدخلوا معا في عملية استثمارية تبدأ بهم ولا يخرجون منها إلا بالتصفية الكاملة. وهذا الرأي مع احترامه يعني إلغاء فكرة الحساب الاستثماري من الأساس، وليس هذا هو المقصود وإنما المطلوب هو التحقق من خضوع التعامل لمقتضيات الشرع, والناس أحرار بعد هذا الالتزام الشرعي باختيار ما يشاؤون من الحسابات الاستثمارية مخصصة أو مشتركة. وقد بين الباحث القاضي العثماني أن الاستثمار المشترك هو نوع جديد مستقل من أنواع الشركات وهو الشركة الجماعية المستمرة كما سماها, وأنه لا يجب لجواز هذا النوع الجديد من الشركات توافر جميع عناصر شركة العنان أو المفاوضة.
والذي أراه أن وصف المضاربة المشتركة هو أقرب إلى القول بتسمية نوع جديد من الشركات, فكما أن المضاربة كانت في القديم مضاربة فردية بين شخص أو مجموعة أشخاص يتفقون معا مع عامل آخر أو مجموعة عاملين بعقد واحد يبدأ مرة واحدة ويصفى ويتحاسب فيه على الربح كذلك, فإنه يمكن أن يستوعب الفقه الإسلامي تطور هذا العقد وامتداده ليكون عقد مضاربة مشتركة مقصودة واستثمار المال فيها هدف للجميع ولكن في نطاق زخم كبير من الاستثمارات, أعجبتني تسمية الشيخ التسخيري لها بـ (الحوض الاستثماري الكبير) . هكذا تطورت الإجارة من عمل الأجير الفرد إلى عمل الأجير المشترك, وهكذا تطورت خدمات النقليات من المقاولة مع الجمال لينقل المتاع والأهل من بلد إلى بلد لتحل محله الحافلات والقطارات والطائرات في عقود النقل المشترك. ورغم أنه يوجد من يستطيع الآن استئجار طائرة خاصة لنفسه ولحسابه إلا أن ذلك لا يمنع وجود الطائرة الموحدة المسار لتكون تحت تصرف المسافرين معا في مساء واحد إلى بلد أو مقصد واحد حتى مع الترانزيت, وتثور بالنسبة للمضاربة المشتركة كتصور جديد وتكييف جديد مسائل متعددة أهمها الإضافة والسحب. ففي مجال المضاربة الفردية ذكر أنه يجوز السحب وكأنه ابتدئ من الأساس بالمقدار الأقل, لكن لا تجوز الإضافة؛ لأن المضاربة متى بدأت ثبت فيها حق, فإذا أضيف مال جديد فلا تضم المضاربة الجديدة للمضاربة القديمة وهذا فهم سديد وحرص على مراعاة الحقوق بين رب المال والمضارب. لكن في المضاربة المشتركة هي تقوم أساسا على فكرة تدفق الأموال وتسربها, وتبقى هذه البركة أو الحوض الكبير قائمة, فلا بد من قبول فكرة الدخول والانسحاب؛ لأن المقصود ليس استثمار ذات المال وإنما تخصيص جزء من هذا المال الذي يدخل تحت قواعد السيولة العامة للبنك في أن يكون في مجال الاستثمار.